هناك الكثير من التعاريف لما يعرف بحالة الأمان الوظيفي أو منطقة الراحة كما يسميها البعض والتي أحب أن أعرفها بأنها الحالة أو المرحلة التي تنتفي عندها الرغبة في التغيير حيث يشعر المرء بأنه وصل للحد الفاصل بينه وبين مرحلة الخطورة والخوض في المجهول. ويعقب ذلك رغبة عارمة في البقاء في هذه المرحلة التي تلبي للشخص كافة احتياجاته أو كما يتوهم هو. ويصبح صراع البقاء هو شغله الشاغل وتنتفي الرغبة في تقديم أي شيء جديد لأن المرء حينها يشعر بأنه قد حقق ما يصبو إليه.

قد تعتبر هذه الحالة لدى البعض محفزًا للإنجاز فهي تكسب الموظف الولاء للشركة وتشعره بأنه ينتمي لهذا المكان.

ولكن تكمن خطورة هذا الشعور عندما يكون مرتبطًا بالعمل العام، فالشخص المهتم بالعمل العام ينبغي أن يتحلى ببعض الصفات مثل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. ولكن إذا أصبح هذا الشخص يتعامل مع العمل العام كوظيفة فإن تفكيره سينصب في كيفية محافظته على هذه الوظيفة، وتصبح الوظيفة في حد ذاتها هي الغاية بعد أن كانت وسيلة لخدمة المجتمع.

وقبل المواصلة في الحديث أود أن أطرح سؤالًا وهو:

هل يعتبر العمل العام وظيفة؟

في الحقيقة لا يمكن أن نجاوب على هذا السؤال بلا أو نعم فالأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

ينقسم العاملون في القطاع العام لقسمين من وجهة نظري:

القسم الأول: موظفون عاديون لا علاقة لهم بالشأن العام تقدموا لإشغال بعض الوظائف في القطاعات الحكومية مهما كانت درجتها أو أهميتها وهم بالتالي مجرد موظفين لا أكثر ولا يمكن اعتبارهم مهتمين بالشأن العام بأي حال من الأحوال.

القسم الثاني: بعض الأشخاص مهتمين بالشأن العام وخدمة البلد والناس خاضوا غمار العمل العام وتقلدوا بعض المناصب أو الوظائف في المؤسسات الحكومية أو الجهاز التنفيذي للدولة من أجل تطبيق أفكارهم ورؤاهم والمساهمة في نهضة البلد.

والآن أعتقد أن الأمر صار أوضح فالقسم الأول يمكن اعتبارهم مجرد موظفين يؤدون عملًا معينًا يتقاضون عليه راتبًا وهو بالتالي يمثل بالنسبة لهم وظيفة لا أكثر بغض النظر عن موقع هذا العمل ومدى حساسيته بالنسبة للمواطن فالمعيار الأساسي بالنسبة لهم هو المصالح الشخصية.

القسم الثاني وهم في الغالب قيادات لأن من يتقدم للعمل العام وهمّه هو خدمة المواطن والبلد هو بالضرورة قيادي. وهؤلاء بالنسبة لهم لا يعتبر العمل الذي يقومون به وظيفة حتى وإن كانوا يتقاضون عليه راتبًا فالراتب لم يكن هو غايتهم ولا الوظيفة التي يشغلونها هي مقصدهم.

فهي مجرد موضع يستطيعون منه تطبيق أفكارهم النهضوية لذا فهم يتطلعون للأمام دائمًا ولا يهتمون بوضعهم الوظيفي كثيرًا وجل تفكيرهم منصب في تحقيق أهدافهم.

لكن هل هذه الصورة دائمًا بهذا الوضوح؟

بالتأكيد لا. فحتى هؤلاء عندما يظلون في مكان واحد ولفترة طويلة يؤدون نفس المهام فهم لا شعوريًّا يدخلون في منطقة الراحة أو منطقة الأمان الوظيفي أيًّا كان المسمى وبدلًّا من أن يكون هذ الموضع مجرد وسيلة يصبح بالنسبة لهم كسبًا شخصيًّا نالوه بمجهودهم ومهمتهم المحافظة عليه. ليس فقط ذلك بل يتعدى الأمر ليصل لمرحلة الاستعداد للقتال من أجله والتضحية بكل الأشياء الأخرى متساوين بذلك مع الموظفين التقليديين.

وتبدو هذه الصورة جلية في الكثير من المسؤولين الحكوميين الذين ما إن يتقلدوا منصبًا ما لفترة معينة حتى يتشبثوا به كأنهم خلقوا له وخلق لهم ويتناسون أن هذه ليست غايتهم ولا هدفهم وأن بإمكانهم أن يواصلوا مسيرتهم من أي موضع آخر.

ولتجنب الدخول في هذه المصيدة على المهتم بالعمل العام أن يركز دائمًا على الغايات والأهداف السامية وأن يضع نصب عينيه أن موقعه الوظيفي الحالي ما هو إلا موضع لخدمة الوطن والمواطن مثله مثل أي مكان آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد