بينما يرى مراقبون أن العالم مقبل على تحولات دراماتيكية بعد خسارة الانتخابات الأمريكية، وتأثير ذلك على الأيديولوجيات، والاتجاهات العنصرية، واليمين المتطرف في أوروبا، وخطاب الشعبوي المتعصب، وخطاب الكراهية الموجه ضد المهاجرين والإسلام، فإن منطقة الشرق الأوسط ستشهد عودة لسياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما في المنطقة العربية.

وبعد فوز الديمقراطي جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يبدو أن المنطقة العربية مقبلة على مزيد من التوترات والصراعات السياسية. فلا يجب أن ننسى أن الرئيس الجديد للولايات المتحدة كان نائبا للرئيس الأسبق باراك أوباما بين فترتي 2008-2016، وهي الفترة التي عرفت بداية الاضطرابات الجيو-إستراتجية، والانتفاضات العربية في ما سمي بالربيع العربي 2011، وبعدها الصراع على السلطة في عدد من دول المنطقة والحروب الأهلية وتوترات الطائفية في كل من سوريا، واليمن، والعراق، وغيرها، تحت سمع وأنظار إدارة باراك أوباما ونائبه جو بايدن التي وقفت متفرجة على كل هاته الأحداث، وهي تشتعل تباعًا دون تدخل منها للوصول إلى حلول دبلوماسية سلمية، واكتفت بتصريحات جوفاء تشبه ما يصرح به الأمين العام للأمم المتحدة من تعبير عن قلقه كلما استجد جديد في أية أزمة يعيشها العالم، وخصوصًا في العالم العربي والإسلامي، بدلًا عن التدخل كطرف محايد للوصول إلى حل يوقف هاته الأزمات المتراكمة على كاهل المجتمعات والشعوب المغلوبة على أمرها، وهو ما يدل على العجز والفشل الذي يواجهه ما يسمى بالمجتمع الدولي هذا إن لم يكن متورطًا، وله يد في هاته النزاعات والاضطرابات من الأساس.

ففي خضم الحملة الانتخابية شن جو بايدن هجومًا، وانتقادات لاذعة على قادة عدد من الدول الإقليمية العربية والإسلامية، حيث توعد بإسقاط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتقديم الدعم للمعارضين له سياسيًا، وهاجم كل من السعودية مهددًا بإيقاف الدعم عنها على خلفية تورطها في الحرب الدائرة باليمن وبفرض عقوبات عليها بسبب مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول، والتي أصبحت تستعمل كورقة ضغط لابتزاز المملكة العربية السعودية لتمرير أجندة التطبيع مع إسرائيل في المنطقة العربية. وكذلك هجومه على رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي الذي وصفه جو بايدن بالديكتاتور المفضل لدونالد ترامب حسب تغريدة له على حسابه في «تويتر»، وهو ما يتناقض مع موقف إدارة باراك أوباما الذي كان بايدن نائبًا له باعترافهم بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس الراحل محمد مرسي بعد خروج مظاهرات معارضة ومؤيدة له عام 2013 واعترافهم بالسيسي رئيسًا لمصر.

الأزمة الخليجية

بعد أن كانت هناك شكوك في تورط الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب في اندلاع الأزمة بين دول الخليج الثلاث: الإمارات، والسعودية، والبحرين، بالإضافة إلى مصر من جهة وقطر من جهة أخرى فقد تبين مع مرور الوقت صحة هذه التكهنات، وذلك من أجل ابتزاز تلك الدول لإقامة صفقات ضخمة للأسلحة معها ودفعها للمليارات مقابل حمايتها من تهديدات إيران للأمن القومي الخليجي وللملاحة البحرية وحركة السفن في الخليج العربي، حيث إن إدارة دونالد ترامب لم تبد اهتمامًا كبيرًا من أجل حل هذه الأزمة باعتبار أن جميع أطرافها هم حلفاء إقليميون للولايات المتحدة في المنطقة. ومن المتوقع أن تدفع إدارة الرئيس الجديد جو بايدن صوب رأب الصدع الخليجي بعد أن استغلت إدارة ترامب هذه الأزمة وحققت أرباح طائلة منها لصالحها ولصالح إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا.

الملف النووي الإيراني

كان الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب قد انسحب من الاتفاق النووي الإيراني والذي كان أحد أكبر منجزات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في الشرق الأوسط، والذي تم بموجبه إلغاء العقوبات المفروضة على إيران مقابل تقليص برنامجها النووي، وهو ما أعطى ضوءًا أخضر للإيران لانتهاج سياسة توسعية طائفية في المنطقة العربية، وهو الأمر الذي ألغاه خلفه في البيت الأبيض دونالد ترامب بانسحابه من هذا الاتفاق عام 2018، وإعادة العقوبات الكاملة مرة أخرى على إيران في الفترة الأخيرة من ولاية ترامب بحجة أنه ضعيف في تقييد نشاط إيران النووي بإيعاز من إسرائيل وبعض دول الخليج، والآن يبدو أن رئيس المنتخب جو بايدن في طريقه للإعادة الاتفاق النووي بشكل ما، وكان جو بايدن قد صرح في حملته الانتخابية بأنه سيعيد الاتفاق مع إيران إذا عادت إلى امتثال الصارم له وإعادة المفاوضات مرة أخرى.

القضية الفلسطينية

كان جو بايدن قد رحب باتفاقات التطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان. وكغيره من رؤساء أمريكا السابقين يعتبر بايدن ونائبته كمالا هاريس مؤيدين قويين للإسرائيل، ومدافعين عنها، ولم ترد كلمة احتلال في برنامج السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي الأمريكي. لكن من غير المرجح أن يتبنى سياسات إدارة ترامب تجاه الضفة الغربية المحتلة إذ لم تعتبر إدارة ترامب أن المستوطنات الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي، بل تسامح معها إن لم يكن تحمس للخطط الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد. وقد كان بايدن قد صرح خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد حل المسألة الفلسطينية على أساس إقامة دولتين.

الحرب السورية

يرى الرئيس الجديد للولايات المتحدة حسب تصريحات إعلامية له أن القوات الأمريكية يجب أن تقتصر على مواجهة التنظيمات الإرهابية مع شركائهم في المنطقة، والتصدي لها، وليس مواجهة النظام السوري، وهي نفس سياسة أوباما في سوريا بعدم التدخل في الأوضاع الجارية على الأرض، ومراقبتها دون إيجاد حل سلمي يحد من معاناة الشعب السوري، ففي ذروة الحرب الأهلية عام 2014 قال بايدن في محاضرة بجامعة جورج تاون الأمريكية عندما كان نائبًا لأوباما: بأنه لا توجد معارضة معتدلة في الحرب الأهلية السورية وشركاء أمريكا في المنطقة فاقموا الأوضاع في سوريا عبر إرسال الأموال والأسلحة إلى الجماعات المتطرفة على الأرض. إنهم عازمون على الإطاحة بالأسد مهما كان الثمن، وخوض حرب سنية – شيعية بالوكالة هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد