مِنَ المُغري أن نستنتج أن هزيمة دونالد ترامب – التي لم يقبلها بعد – هي علامة على أن «الموجة الشعبوية» التي شهدت انتصار العديد من الشعبويين اليمينيين خلال العقد الأول مِنَ القرن الحادي والعشرين قد بدأت تتراجع أخيرًا. إذ مع خسارة دونالد ترامب لِمنصبه، يجب أن يشعر الشعبويون في جميع أنحاء العالم بالقلق، ويتساءلون عما إذ كان الأمر قد انتهى، وما إذا كان الدور عليهم.

في الواقع، لقد سَمِعنا هذا مِن قبل. تحديدًا في العام 2017، عندما هزم إيمانويل ماكرون مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية لِفرنسا وانتصار مارك روته على خيرت ويلدرز في هولندا في غضون بِضعة أشهر. حيثُ كُتِبت العديد مِنَ الأفكار التي تتساءل: هل باتت أيام الشعبوية معدودة؟ أعتقد أننا اليوم أصبحنا نملك جميعًا إجابة عن هذهِ التساؤلات مع صعود ناريندرا مودي في الهند وجاير بولسونارو في البرازيل.

نعم، يُمثل فوز بايدن على ترامب انتصارًا هائلًا ومهمًّا، ليس فقط للديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، ولكن لكل أنصار الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. كان هنالك ارتياح جماعي للديمقراطيات الليبرالية في جميع أنحاء العالم عندما وردت الأنباء عن أن أبرز وأشهر حالة تُمثل تيار اليمين الشعبوي سوف يحزم حقائبه قريبًا. لكن افتراض أن فوز بايدن يعد ناقوس الموت للشعبوية. أو أنه يُقدم نموذجًا واضحًا لهزيمة الشعبوية التي يجب الأخذ بِها في البلدان الأُخرى، سيكون خطأً كبيرًا.

إذ يُمكن القول إنَّ مثل هكذا افتراض يواجه ثلاث مشكلات رئيسة هنا، المشكلة الأولى: هو أن افتراض انتخابات واحدة في بلدٍ واحد يُمكن أن تُشكل دليلًا رائدًا للاتجاهات العالمية – حتى لو كانت أقوى دولة وأكثرها ثراءً في العالم – هو ضرب مِنَ الخيال. إذ إن كل بلد شَهِدَ صعود قوى وتيارات اليمين الشعبوي رافقتها أسباب مُعينة تختلف عن أسباب البلدان الأُخرى. تتعلق بِطبيعة وخصوصية كل مجتمع مِن هذه المجتمعات والظروف المحيطة بهِ التي أسهمت في دفع قيادات اليمين الشعبوي لتتصدر المشهد السياسي.

المشكلة الثانية، هي التغاضي عن شخصية ترامب الفريدة والغريبة والفاسدة، حتى بالمقارنة مع نظرائه مِن قيادات اليمين الشعبوي. إذ تُعرف الشعبوية بِمظاهر متعددة من أبرزها الادعاء بالانتماء لِصفوف «الشعب» مقابل «النخبة الفاسدة»، واستخدام «الأخلاق السيئة» في مهاجمة الخصوم لإثبات قربك مِنَ «الشعب». وفي هذا السياق، قامَ ترامب بِتوظيف هذه الأدوات على نحوٍ مُتطرف. وحده رودريجو دوتيرتي في الفلبين أو ربما بولسونارو في البرازيل يقترب من قدرة ترامب على إثارة الغضب والإساءة للخصوم. إذ يُعرف مُعظم الشعبويين اليمينيين على الأقل متى يُخففون ومتى يرفعون مِن حِدَّة خِطابِهم، وهو توازن بدا ترامب غير راغب أو غير قادر على تحقيقه.

في هذا الصدد، مِنَ المُحتمل ألا تُقرأ هذهِ الانتخابات على أنها تصويت لبايدن بِقدر ما هي تصويت لإسقاط ترامب. هذا ما يُشير إليه علماء السياسية بـ«التحزب السلبي» – وهي فكرة قائمة على التصويت ضد المرشحين والأحزاب وليس لصالحهم. إذ إن شخصية ترامب دفعت العديد مِنَ الأمريكيين إلى التصويت لِصالح بايدن ليس لأنه الأفضل، وإنما لم يكن هُنالك خيار واقعي آخر أفضل.

المشكلة الثالثة، وربما تكون الأعمق، تكمن في كون النموذج «المناهض للشعبوية» الذي طرحهُ بايدن لا يُمثل استجابة دائمة للشعبوية اليمينية. وهنا لا نُشير إلى نزعة إيديولوجية واضحة أو أسلوب حكم واضح، بل نُشير بالأحرى إلى الظاهرة التي يتم مِن خِلالها الجمع ما بين «مُعارضي الشعبوية» في تحالف مؤقت لهزيمة الشعبوية. عادة ما يكون لِمثل هذه التحالفات نكهة وسطية مُعتدلة، وامتياز للعقلانية، مقارنةً بالفوضى التي تخلقها القيادات الشعبوية.

وبهذا الصدد، كانَ بايدن قادرًا على سحب ائتلاف فضفاض مِنَ الجماعات المُتباينة لِهزم ترامب، مكون مِنَ اليساريين، والديمقراطيين الوسطيين، وما يُسمى بالجمهوريين المعتدلين من حركة «أبدًا ترامبرز / Never Trumpers«» و«مشروع لينكولن/ Lincoln Project». لكن ماذا بعد ذلك؟ مع خروج ترامب مِنَ السِباق تقريبًا، ما الذي يجب أن تتفق عليه هذه الجماعات؟ إنَّ مِثل هذه الائتلافات لا تُمثل أساسًا راسخًا لِمشروع إيديولوجي مُستدام. لقد خدم تحالفهم هذا الذي كان جزءًا من استراتيجية انتخابية حققت هدفها في إسقاط ترامب. لكن ليس هُنالك الكثير لفهمه على المدى الطويل.

على هذا النحو، قد يكون تبني الوسطية مُغريًا في الوقت الحالي، حيثُ يدعو بايدن إلى الوحدة والتوافق والإجماع، لكن مِنَ المُهم أن نضع في اعتبارِنا أنَّ مِثل هذا الشكل مِنَ السياسة غالبًا ما ينتهي بها الأمر في النهاية إلى تغذية الرغبة في الشعبوية. في الواقع، يُلقي علماء السياسة مثل «شانتال موف» باللوم صراحةً على مثل هذا «الاتجاه الثالث»، الذي يسعى إلى التوجه «لا يمينًا ولا يسارًا»، في صعود الشعبوية اليمينية في أوروبا.

في الواقع، للشعب الأمريكي كل الحق في المطالبة بالتغيير المنهجي، وليس مِنَ الصعب أن نتخيل كيف يمكن للفشل في مواجهة هذه التحديات أن تخلق الظروف التي يكون فيها عدد مِنَ الناس مستائين ومُبعدين عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحيث يكونوا على استعداد لرمي النرد لصالح اليمين الشعبوي مرةً أُخرى.

في النهاية، كانَ بايدن هو الشخص الذي اختارهُ الشعب الأمريكي لإنهاء حالة الاستقطاب والتخبط خلال سنوات حكم ترامب الأربعة الماضية. لكن دعونا لا نكون ساذجين: أنت لا تهزم الشعبوية على المدى الطويل بمجرد أن تكون مناهضًا للشعبوية. النضال الطويل سيتركز حول ما سوف تعنيه رئاسة بايدن يبدأ الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد