في شوارع نيويورك، يسير كلب أنيق بتابهٍ حقيقي وسط النساء الجميلات، ونظرات الإعجاب تحيطه من كل جانب، فيما قرر البعض أخذ صور تذكارية معه، ولم لا؟ فهو يسير وسط حشد من مئات الآلاف من الأمريكيات المناهضات لحكم الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، مربوط من عنقه بحبل يمسكه وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري مبتسمًا، وسط الجموع، معبرًا عن رأيه بشكل سلمي، ويمارس مهامه كمواطن دبلوماسي.

منذ وصوله لمقعد الرئاسة، والوضع في الشارع الأمريكي رافض له بشكل كبير، الكثير من أبناء البلد البيض، والمسلمين، واللاتينيين، والمهاجرين، والنساء، يرون في ترامب أسوأ كوابيسهم، وكلما أُعلِن جديد بخصوصه، نزلوا للشوارع منددين بنتيجة الانتخابات، التي جاءت بترامب للسلطة، الذي استطاع عن طريق خطابه العنصري العشوائي المفتقر للحنكة السياسية أن يكسب هذا  القدر من العداء، وأيضًا مقعد البيت الأبيض.

أما جون كيري الذي سلم حقيبته الوزارية قبل عدة أيام، قرر النزول للشوارع معلنًا عن رفضه هو الآخر لتصريحات الرئيس الجديد العنصرية، ولم لا؟ فهو من الحزب الديمقراطي، والديمقراطية في حد ذاتها لها أوجه كثيرة للممارسة منها حق التعبير عن الرأي بشكل سلمي، وأيضًا احترام نتيجة الصندوق، وهو الجانب الذي تجاهله تمامًا، وهنا لا نقف مع طرف ضد آخر -لا سمح الله- إنما نعرض الصورة كما هي.

وإذا نظرنا للفارق بين كيري وترامب سنجده كبيرًا جدًّا من الجانب المهني الدبلوماسي، فرغم أن الكثير من المراقبين يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تراجع نفوذها أمام الدب الروسي في الشرق الأوسط، في ظل سياسة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما، حتى وإن كان هذا الأمر شكليًّا فقط، إلا أن كيري تمكن بكل براعة من تفنيد تلك الرؤية، وعكسها لمصلحته في آخر مقال له نشرته جريدة نيويورك تايمز، يتحدث فيه عن سياسة رئيسه، وقال بثقه، إن «معظم الاتجاهات العالمية ما تزال تسير لصالح الولايات المتحدة».

وذكر في مقاله أن أوباما اتخذ طريق الدبلوماسية الحازمة، وتمكن من خلال العمل مع الشركاء الدوليين من تكوين تحالف دولي ضد داعش، بدلًا من حرب أحادية، وأيضًا تمكن عن طريق الدبلوماسية من فرض الاتفاق النووي الإيراني، كما تم توقيع عقوبات اقتصادية على روسيا تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة لها، ودعّم حلف الناتو، واستمر في الحديث عما تمكنت الدبلوماسية الأمريكية السلمية من تحقيقه.

ورغم الفشل في الشرق الأوسط، إلا أن قرارًا أمميًا بشأن فلسطين امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت عليه وتم تمريره بسبب ذلك، كان هدية من إدارة أوباما ووزير خارجيته جون كيري للمنطقة.

على العكس من ذلك حشد ترامب كل عناصر الكراهية والعنصرية حتى يتمكن من تأجيج حجم العقدة النفسية التي تتملك الأمريكان البيض الأصليين، ضد كل ما هو ليس «أصليًّا»، وأبلغ ما عبر عن ذلك هو مقال للمخرج الأمريكي قبيل انتخاب ترامب بعنوان «5 أسباب ستؤدي لفوز ترامب»، جاءت الفقرة الثانية بعنوان «الفرصة الأخيرة للرجل الأبيض الغاضب»، وأشار فيها الكاتب أن السود والمثليين والنساء وغيرهم باتت لهم السيطرة، فيما تراجع دور المواطن الأمريكي الأبيض، وهو ما استغله ترامب.

والآن أمريكا أمام نهجين يحددان شكل العالم خلال السنوات القادمة، إما استخدام الدبلوماسية السلمية، وإما التي تحمل أقل قدر من الدماء مع أكبر تأثير ممكن، وإن بدا غير ذلك، مقابل أسلوب عنصري وصل حديثًا للبيت الأبيض مع وصول ترامب للسلطة.

فأمريكا تسير دومًا وفق رؤيتين، وإن بدا للرائي أن كلتيهما مختلفتان، فإن الحقيقة على عكس ذلك، فدولة تعمل بمنهجية وبمؤسسات كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، لا تتأثر بقادم جديد، ولا سابق مهما كان عزيزًا.

بالتأكيد العالم يحمل الكثير من التخوفات، في ظل تحكم ترامب في شفرة السلاح النووي، ولكن في النهاية القرار الأمريكي لا يصدر في لحظة انفعال أو «اعتباط»، كما نرى في بلداننا العربية، وإنما يمر عبر بوابات كثيرة حتى يتم اتخاذ قرار ما.

ولكن الفرق الذي سيبدو جليًّا هو كيفية الوصول لنفس الأهداف على المستوى الدولي بوسائل مختلفة، فبينما سعى أوباما لتمرير النفوذ الأمريكي عبر الدبلوماسية، وتقليل الاعتماد على الآلة العسكرية -ليس لرحمة في قلبه، وإنما لتقليل حدة غضب المواطن الأمريكي على أبنائه المفقودين- فإن ترامب ربما يكون له أسلوب آخر، أكثر مباشرة، وأكثر عنفًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد