قبل الخوض فيما دون في كتاب تاريخ الفلسفة السياسية الجزء الثاني لكاتبه ليو سترواش Leo Strauss، فضلنا أن نعرج على فكرة لطالما رددناها ونحن نغوص في قراءة أو كتابة ما يمكن أن يتأطر في خانة الفكر السياسي، تتمحور الفكرة على ضرورة احترام واستحضار السياق الذي كتبت فيه الأفكار، في مقالنا هذا نكون أمام الحديث عن جملة من الأفكار الواردة في كتاب تاريخ الفلسفة السياسية الجزء الثاني، والمتعلقة بجون لوك John Locke، وعليه فمن الواجب قراءة أفكار لوك في سياقها الذي كتبت فيه، ومرد هذا هو الإيمان بأن فهم فكرة الشخص يكون في سياقها، في حين أن انتزاع الفكرة من سياقها يعني وبالضرورة انحراف فهمنا لها.

يمكن أن نستحضر بخصوص هذا الشأن ما نظر له أفلاطون في مسألة الديمقراطية، التي إن قرأناها وفق ما وصلنا له اليوم نجدها بمثابة ما يمكن وصفه بنوع من الطغيان وتفضيل لطبقة على أخرى.

لا يختلف اثنان على أن لوك لمن بين أحد كبار فلاسفة التنوير ليس فقط على المستوى بلده بل في أوروبا والعالم. ولد جون لوك سنة 1632 في مدينة سوميرسيت بإنجلترا، مات عام 1704 في منطقة إيسيكس.

عاش لوك 72 سنة، يمكن وصفها بالفترة الكافية التي ملأ فيها الفضاء وشغل ثلة من الناس باختلاف درجاتهم العلمية بعلمه ونظرياته السياسية والفلسفية.

كان والده محاميًا ثم موظفًا كبيرًا في خدمة البرلمان. ولكنه أفلس وخسر كل شيء بسبب الحرب الأهلية التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت في انجلترا. ومعلوم به أن عصر جون لوك كان عصر الطوائف والمذاهب المتناحرة.

كان العصر عصر الأصوليات المتعصبة، حيث كان أتباع البابا وحديثنا هنا عن الكاثوليك، الذين كانوا يتهمون البروتستانت بالهرطقة.

رجوعا لموضوع المقال، الذي يدور رحى أفكاره من كتاب تاريخ الفلسفة السياسية لليو ستراوش Leo Strauss الجزء الثاني، حيث يرى لوك كل الحكومات محدودة في سلطاتها ولا توجد إلا عن طريق رضى المحكومين ويبنى هذا على أساس أن كل الناس يولدون أحرار، كتب لوك عن الحرية الدينية في كتابه رسالة في التسامح أما في كتابه «رسالتان في الحكومة» فكتب عن الحرية السياسية، وكتب كذلك عن الحرية الاقتصادية.

يبدأ لوك بحثه بسؤال مفاده ماذا عساها تكون السلطة السياسة؟

حيث عرفها بالحق في سن القوانين، وتطبيق عقوبات الإعدام وما دونها من العقوبات لتنظيم الملكية والمحافظة عليها، يربط هذا التعريف بالنظر إلى حالة الإنسان الطبيعية أي حالة الحرية الكاملة والمساواة أيضًا، وحسب لوك فالحرية الطبيعية تشتق من المساواة الطبيعية، كما لا يجب أن تفهم الحرية الطبيعية للإنسان على أنها تعني أن الناس لا يردعهم القانون ويقول إنه بانعدام القانون تنعدم الحرية، يستحضر لوك في مسألة الطبيعة هوبز، هذا الأخير يرى أنها حالة حرب كل إنسان ضد إنسان.

لوك لا يساوي بين حالة الحرب وحالة الطبيعة، يقول إن حالة الحرب تتحقق عندما تكون قوة القضاء العام عديمة الجدوى، كما لا يمكن أن توجد حالة الحرب في ظل توفر سلطة مدنية تفرض القانون بالقوة، يعود لوك إلى قانون الطبيعة ويصفه بأنه سهل الفهم بالنسبة للمخلوق العاقل، لكنه يشير إلى عدم جواز استمرار حالة الطبيعة وذلك بسبب الشرور التي تنتج من كون الناس حكامًا أو قضاة في قضاياهم الخاصة.

في مسألة الموارد الطبيعة يراها تقريبًا بدون قيمة ويعدد ذلك في سببين:

الأول: التفاحة مثلًا تظل بدون منفعة لأي شخص إذا لم يقطفها أحد.

الثاني: هو عامل الوفرة الهائلة للموارد الطبيعية هذا كذلك يساهم في تنظيم السعر حيث أن قيمة الشيء تكون أكبر إذا كانت كميته قليلة، ووفرة السلعة قد تؤدي إلى فسادها ما يضعف الخطوة الأساسية التي تخفض عوز الإنسان وهي الزراعة، هذا ما دفع الناس إلى التعامل بالنقود من ذهب وفضة حيث تستمر أكثر ولا تفسد.

لوك يحدد للفرد سلطتين: سلطة تشريعية، وأخرى تنفيذية. فالأولى أن يفعل ما يعتقد أنه ضروري للمحافظة على نفسه والآخرين، أما الثانية فهي سلطة العقاب الذي يمارسه، هذه الأخيرة يتخلى عنها حين دخوله في المجتمع السياسي الذي بدوره لا يمكن أن يكون إلى بتنازل كل واحد من الأعضاء عن السلطة الطبيعة ويضعها في يد المجتمع.

ميز لوك بين المجتمع السياسي والحكومة غير أنه لا يعني أن المجتمع السياسي يمكن أن يوجد بدون حكومة، يعبر لوك بوضوح عن المبدأ الأساسي لفصل السلطات فيرى أنه في الدول المنظمة بصورة جيدة.. تنفصل السلطات السياسية غير أن لوك لا يطبق هذا المبدأ إلا في فصل الوظيفة التشريعية والتنفيذية ويتحدث عن السلطة القضائية باعتبارها جزءًا من السلطة التشريعية، يضع لوك سلطة سياسية أخرى، وهي سلطة شن الحرب، وإقرار السلم، يقر بأن السلطة التشريعية أسمى من السلطة التنفيذية.

تحدث عن الأمير الأكثر حكمة وقال فيه يكون حكيمًا ليس بطاعته للقانون الراسخ والمتفق عليه، وإنما بخدمته للصالح العام، لا يقف لوك هنا، بل يتساءل:

ما هي الكيفية التي نميز بها بين الأمير الطاغية والأمير الجيد؟

نادرًا ما استخدم لوك في هذه المناقشة كلمة الثورة مفضلًا كلمة التمرد، بناء على حجته ليس هناك حق في الانقلاب، بل هناك فقط الحق في المقاومة. يعتبر الناس هم المصدر الأكثر احتمالًا للثورة، ويلوم أولئك الأفراد الذين يثورون ضد الحكومة العادلة.

إن موضوع لوك العظيم هو الحرية وحجته العظيمة ليست هناك حرية حيثما لا يكون هناك قانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد