قبل مشاهدة أي فيلم أكشن جديد أسأل نفسي، ترى ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه هذا الفيلم بعد آلاف الأفلام التي استنفدت كل حيلة ممكنة في شكل القتال وإطلاق النار ومطاردات السيارات وحرب العصابات؟ أصبح إنتاج فيلم أكشن مشوق جديد في حد ذاته تجربة على قدر كبير من التحدي، لذلك كنت على قدر كبير من التشكك قبل دخول الجزء الثاني من فيلم «جون ويك» للنجم الوسيم «كيانو ريفز»، إلا أنني ومنذ ربع الساعة الأولى في الفيلم أيقنت أن المخرج الأمريكي «تشاد ستاليسكي» على قدر التحدي بالفعل.

البراعة هنا – من وجهة نظري – هي استخدام تيمة الأكشن في تقديم رؤية مختلفة للحياة في هذا الإطار المغامر العنيف الذكوري السريع، وتشاد استطاع تقديم رؤية للعالم الذي يسيطر فيه أشخاص يعتبرون أنفسهم أنصاف آلهة في السيطرة على مقدرات البشر وتغيير العالم من حولهم. صدق أو لا تصدق، أعتقد أن فيلم «جون ويك» يقدم مماثلة سيمترية Analogy للدين، فيها الإله والنبي والعقيدة والتضحية والبعث والخلود والثواب والعقاب وباقي القائمة من المفردات الميتافيزيقية.

في الجزء الأول من الفيلم الذي تم إنتاجه عام 2014 وبدأ به تشاد تجربته في عالم الإخراج، بعد أعوام طويلة قضاها في عالم الملاكمة وعالم الممثلين البدلاء الذين يقومون بالمشاهد الخطيرة بدلًا من الممثلين الأصليين Stunts، نتعرف على «جون ويك»، الشخص الغامض الذي يبدو مواطنًا عاديًا يعيش بمفرده مع كلبته الصغيرة هي كل ما تبقى من عالمه بعدما توفيت زوجته المريضة، يبدي شخصٌ ما إعجابه بسيارة ويك الـ«فورد موستانج بوس 429» – وهي سيارة نادرة للغاية صنع منها ما يزيد عن الألف نسخة بقليل في حقبة السبعينيات – وطلب ذلك الشخص شراءها من ويك، لكن الأخير رفض طلبه بأدب جم نظرًا لأهميتها العاطفية بالنسبة له، قام ذلك الشخص الذي يتضح أنه ابن زعيم كبير في عالم الجريمة، بمهاجمة منزل ويك وتدميره تمامًا ومحاولة قتله ثم الاستيلاء على السيارة بالقوة، وهنا تظهر شخصية الظل لويك، الذي يتضح أنه قاتل محترف متقاعد، يقوم بإخراج كل أسلحته المدمرة من تحت قاعدة أسمنتية كان قد أخفى الأسلحة تحتها –ظنًّا منه أنه لم يعد بحاجة إليها – ويبدأ في مطاردة عنيفة لقتل كل من دمر حياته، ولاستعادة سيارته وكرامته مرة أخرى.

في الجزء الثاني يطلب رجل نافذ من رجال العصابات «سانتينو دانتونيو» – الممثل الإيطالي الأصل ريكاردو سكامارسيو، الذي تألق مؤخرًا في فيلم Dalida عن قصة المغنية العالمية الشهيرة – والذي كان قد ساعد ويك في الانتقام، برد الجميل. وفي عالم الجريمة الذي أنشأه تشاد ستاليسكي هناك مفردات كاملة لهذا العالم، منها قرص معدني يحتوى داخله دماء شخصين، ويرمز إلى أن أحد الموقعين بالدم على هذا القرص يكون في تعهد تام لرد جميل الشخص الثاني طالما هذا القرص موجود، وأنه ملتزم بفعل أي شيء يطلبه هذا الشخص في مقابل التحلل من هذا التعهد، وإلا كان مصيره القتل، ولن يكون بمقدرة أي أحد من باقي أعضاء عالم الجريمة حمايته.

يخرج «سانتينو» القرص المعدني أمام ويك ويطلب منه الوفاء بوعده لأنه في حاجة لمساعدته، ويحاول ويك إقناع الأول بأنه خرج تمامًا من عالم الجريمة ولا يرغب في العودة إليه، ويرجوه أن يعفيه من ذلك الأمر، إلا أن سانتينو يصر ويلجأ لتهديد ويك ويدمر له منزله ليجبره على القيام بما يرغب، وهو قتل أخته «جيانا» ليستطيع أخذ مكانها في مجلس إدارة عالم الجريمة – وعالم الجريمة الذي يضم كل النافذين من رجال العصابات، له مجلس إدارة Board في عالم تشاد ستاليسكي الموازي.

يذهب ويك إلى المكان الوحيد الذي يعتبر حرمًا آمنًا لرجال العصابات، ولا يمكن لأحد أن يهدد أو يقتل أو يؤذي أحدًا آخر في هذا المكان، وهو فندق فاخر يمتلكه «وينستون» – الممثل الإنجليزي إيان ماكشين – ويطلب من وينستون المشورة، إلا أن الأخير يؤكد له ضرورة الوفاء بقواعد عالم الجريمة، وأنه على الرغم من احتقاره الشخصي لسانتينو ومسعاه للتخلص من أخته، إلا أن ليس بيديه شيء لمساعدته سوى الترحيب به للإقامة في حماية الفندق لما يشاء من الوقت.

ولأن ويك ليس الرجل الذي يفضل البقاء أسيرًا على الدوام، فإنه ينتقل إلى روما حيث توجد جيانا – الممثلة الإيطالية كلوديا جيريني التي لعبت دور زوجة الحاكم الروماني لفلسطين في فيلم The Passion of The Christ – وحيث يعد العدة للتخلص منها قبل أن يتفرغ للانتقام من أخيها.

وخلال الجزء الأكبر المتبقي من ساعتين ودقيقتين هما مدة عرض الفيلم، نستكشف الطابع الفريد لعالم الجريمة الذي أنشأه وتصوره تشاد ستاليسكي، عالم كلاسيكي يتحلى فيه رجال العصابات بذائقة رفيعة في اختيار الملابس والسيارات والأسلحة، ليشير إلى أنهم ليسوا فقط رجال جريمة اعتياديين، ولكنهم رجال سلطة وقوة ونفوذ، نفس القوة الحيوانية المزروعة في جيناتنا الحيوانية والغريزية المزروعة داخلنا منذ الأزل، والتي لم تنجح القشرة الحضارية المتوارثة عبر عدة آلاف محدودة من السنين في نزعها عنا، مهما بلغ تأنقنا، ومهما بلغت التقنية التي أصبحنا نستخدمها، ومن هنا تظهر المفارقة واضحة جدًا في الفيلم، حيث يجري كل شيء كما لو كان يحدث في نزاع عنيف بين رجال من عصور الكهف وما قبل التاريخ، ولكن في شكل شديد الأناقة، حيث يتحدث الجميع الإيطالية، ويرتادون أفخم الملاهي الليلية، ويتناولون أغلى الأطعمة، على نغمات أجمل الموسيقى العالمية، وهم يرتدون ملابسهم الفاخرة من صناعة أرقى بيوت الموضة.

يصل ويك إلى روما حيث يذهب رأسًا إلى صانع بذلات خاصة، يقوم بصنع بذلة حريرية قمة في الأناقة لويك تستطيع احتمال طلقات الرصاص، وينقده ويك أجره من عملات خاصة – تشبه العملات الرومانية القديمة – هي عملة متداولة بين رجال عالم الجريمة فقط. أيضًا ينتقل إلى تاجر أسلحة يقوم بتزويده بترسانة من الأسلحة والسكاكين المتقدمة يشرح له فوائدها على مهل وفي أدب عالٍ ولغة فائقة اللباقة، قبل أن ينقده ويك أجره أيضًا بعملات رومانية.

لن تجد هذه الأجواء البروتوكولية المثيرة في الكثير من أفلام الأكشن، مما يضفي على فيلم جون ويك طابعًا خاصًا مثيرًا، يجعلك متيقظًا طوال الوقت لكل ما يحدث، لأن كل تفصيلة تحمل طابعًا مغايرًا من صنع عالم ستاليسكي الخاص والمتكامل والمحكم.

أيضًا بذكاء شديد يشير ستاليسكي إلى أن ذلك العالم العنيف يحمل بصمة ذكورية لا يمكن إغفالها، وكأن الجريمة هي ذنب الرجل الذكر منذ بدء الخليقة، ولا مكان للأنثى فيه، وحتى الأنثى الوحيدة التي تشترك في الصراع العصابي في الفيلم «آريس» – روبي روز – نجدها ترتدي ملابس الرجال وقد قصت شعرها بشكل قصير ولا تتحدث لأنها بكماء، وكأنها تحمل من العالم الذكوري أكثر مما تحمل من عالمها الأنثوي الذي اتهم ظلمًا بأنه أخرج «آدم» من الجنة، لكن الحق الحقيقة أن أولاد آدم الذكور هم من بدؤوا أول حرب في التاريخ – حسب الأمثولة الدينية – حينما قتل «قابيل» أخاه «هابيل».

يمضي الفيلم في صراع عنيف داخل أجواء بصرية ثرية تستخدم أيضًا التاريخ مكونًا أساسيًا، فتقع أغلب الأحداث داخل آثار رومانية تحتوي عشرات المعابد والتماثيل وحلبات المصارعة القديمة. وتستخدم فيه أيضًا وسائل اتصال عتيقة، من حمام زاجل، وآلات اتصال وحواسب قديمة قد تعود للعشرينيات والثلاثينيات، لتنقل معلومات بين رجال عالم الجريمة، وأهمها أن جون ويك أصبح بتعبير «وينستون» Expulsus، مفردة لاتينية تعني أنه أصبح «مطرودًا» من رحمة وحماية رجال هذا العالم، ومن جنته.

المثير في الفيلم أيضًا هو عودة لقاء «كيانو ريفز» مع رفيقه القديم، الممثل المخضرم «لورانس فيشبيرن» الذي سبق ورافقه في ثلاثية Matrix الملحمية، حيث يلعب في الفيلم دور «بوري كينج»، رجل عصابات مارق يسعى ويك للاستعانة به للانتقام من «سانتينو» كحل أخير.

الفصل الثاني من ثنائية John Wick، نجح في تقديم عالم ثري شديد الاختلاف عما يمكنك أن تراه في أي فيلم أكشن، تجربة بصرية وفلسفية ممتعة تندر مشاهدتها بالفعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد