قصة استثنائية ممزوجة بأحداث واقعية من إخراج تود فيليبس ببطولة الممثل المبدع خواكين فينيكس، والذي جسد شخصية الجوكر بمهارة عالية، تتحدث الحبكة عن الطبقة البسيطة والفقيرة التي تتعرض لشتى أنواع الانتهاكات من الطبقات الأعلى بالأخص المتحكمة مثل الرأس ماليّة. تجري أحداث القصة في مدينة غوثام في نيويورك ولا بدُّ من الذكر أنّ نيويورك تعرضت لحالة من الفوضى والجرائم في سنوات الثمانين السابقة، لكن الفيلم لا يعكس فوضى مدينة نيويورك فقط، بل هذه المدينة رمز لكل المدائن التي تتعرض للفوضى والدمار والتي لا تملك المساواة بين أفراد مجتمعها. بالأخص بسبب إهمال الفرد والاعتناء بالأغنياء وتلاشي طبقة الفقراء واستحقارها ممّا أدى إلى نشوء صراع الطبقات، وكأغلب الحال في المجتمعات انتفضت طبقة الفقراء وخرجت للتعبير عن رأيها والكبت الذي تعاني منه بسبب الضغوطات التي تمرُّ بها عبر الفوضى، وكان الجوكر هو الباتمان المنقذ لهذه الفئات المستضعفة.

الشخصيّات وتحليلها

لشخصيّة الجوكر بُعد لم يتم ذكره في تحليلات شخصيةّ الجوكر أو المقالات التي كتبت عنه، أكثرها طرحت تحليلات للفيلم لم تتعمق إلا قليلًا في الشخصية الرئيسية وقدمت طرحًا بديهيًا لا جديد فيه، على سبيل المثال نجد أكثر الكتاب يتحدثون عن كون الجوكر شخصية مجرمة اضطرت للقتل والخروج عن القانون بسبب ظروف الحياة والعوامل التي أدت إلى خروجها عن أنماط المجتمع، البعض يحلّل شخصية الجوكر على أنها شخصية مضطربة ومعاديّة للمجتمع أي أنه يشبه شخصية رجل المافيا «كوبون» المصنف بمرض الشخصية المعاديّة للمجتمع، وقد تم الاقتباس من حياته لفيلم العراب، لكن هل حقًا تنتطبق هذه الصفات على الجوكر الذي ملك حلمًا بأنّ يصبح كوميديًا ومحبوبا ليسعد الناس، فكيف إذا يكون معاديًّا للمجتمع؟

البعض الآخر يجد أنّ هذه الشخصيّة لم تأخذ حقها من العلاج النفسي الكافي، ولأنه تم توقيف الأدوية والعلاج اللازم بسبب قطع التمويل والخدمات المتوفرة من السلطات، اضطرُ الجوكر ليتجه إلى الجريمة باعتقادهم أنّ المجتمع قد يحول الأفراد إلى مجرمين إن لم يتم الانتباه لهم بالأخص من يعانون من أمراض نفسية معينة.

مُحقّون في هذه النقاط لكن غفلوا عن حدث مهم في حياة الجوكر وهو أنّ هذه الشخصيّة هي شخصيّة حرمت من أهم الاحتياجات البشريّة وهو الحب، فالجوكر بطبيعته شخصيّة اجتماعيّة ومُحبّة لكل الناس وتكترث للآخرين، بل وفضلًا عن ذلك الفيلم يذكر قصة حب الجوكر ويخصصُّ لها مساحة خاصّة.

الحب

من أهم العوامل التي تجعل الإنسان يشعرُ بالفراغ هو انعدام الحب في حياته، الحب هو أساس قصة الجوكر ولم يأخذ حقه بالذكر لقد وقعَ الجوكر في حب فتاة سمراء لديها ابنة صغيرة، ولم يتم التطرق إلى العاطفة أو قصة حبّه لربما لأنّ المجتمعات غافلة لأهميّة الحب واحتياج الناس للحب، فاهتمت بالأمور المختلفة مثل العلاج النفسي والطبقات الجتماعية، وسقطت سهوًا في أهميّة الحب ودوره، مجتمعنا يخاف من مواجهة مشاعره ويعتبر الحب مبتذلًا وأمرًا لا يليق بالرجال لأنّ العيب قد أكل جزءًا كبيرًا من فكرنا، فأصبحنا ننظر للأمور بزوايا روتينيّة عاديّة، لذلك حتّى فيلم الجوكر لم يتم إعطاءه الحق الأنسب للحديث عنه وهو يستحق تكريسًا للوقت والتحليل فيه بشكل أعمق.

نشأ الجوكر بلا أب في حياته، تواجدت أمه التي كانت تعمل في بيت بروس ويلس، وعلى ما يبدو جمعتها علاقة بالسيد ويلس (وما يتبين لنا لاحقا أنه والد باتمان، المفاجأة الكبرى أنّ الجوكر قد يكون أخًا لباتمان)، لكن تعرض الجوكر إلى العنف منذ صغره والملف الذي تملكه السلطات عنه وعن أمه لحالات العنف وعدم الاستقرار في حياتهم، وقد تعرض الجوكر للاعتداء والعنف من صديق والدته في صغره، ومن ثم تبين للجوكر أنّ أمه قد لا تكون أمه الحقيقية، والجوكر لم يدرك عاطفة الحب ولم يعش حياة مستقرة فيها الأمان ودفء الوالدين أهم احتياجات الطفل، لذا عاشَ مهملا كأنما لا قيمة لحياته.

أما الحب الآخر فهي مثلما ذكر سابقًا لإحدى النساء التي تلاقي استحسان الجوكر وفي المشاهد نجد أن الجوكر يخرج برفقة المرأة التي جذبته لتبدأ قصة حب متبادل بينهما، فنراه يأخذها في موعد أول ويقضي وقتًا ممتعًا معها ويعود إلى منزله سعيدا ويراقص أمه، ليسَ غريبًا فالجوكر مُحب وقد وجد تشابهًا كبير بينه وبين محبّوبته، كما أنها تقف بجانبه وتدعمه عندما تتعرض أمه لانتكاسة مرضية ولا تفارقه حبيبته السمراء الجميلة، هنا يتعرف الجوكر على نفسه من جديد كعاشق ومحب، يخرج في مواعيد حب ويتأنق لفتاته يمسك مفاتيح الحديث، أيضًا يظهر للمشاهد كشخصية مختلفة عاديّة كباقي الناس لا خلّل فيها ولا مرض، حتّى يشفى من ضحكته اللارادية أمام حبيبته، فالجوكر يعاني من مرض في الأعصاب تجعله يفقد السيطرة على التحكم بنفسه فيضحك في أكثر تلك المواقف، والأسوء من فقدان السيطرة أنه يضحك بالأوقات الحرجة وغير المناسبة، فيتعرض بالعادة إما للضرب أو التنكيل أو الاستهزاء.

نرى أنّ عاطفة الحب أثرت على شخصية الجوكر وتركيبها، وجعلت منه إنسانًا أفضل بل وحتى أخرجت منه السمات الجيدة، ولأنّ الواقع مختلف عانى الجوكر من أوجاع الحب وفي الفيلم يتضح لنا أنّ الفتاة التي أحبها الجوكر لم تبادله الحب، بل كانت جارة له لكنهما لم يتحدثا قط وإنما كان يراها تمرّ أمامه ولم يقدم على الحديث معها، وكل تلك المشاهد من وحي خياله، الجوكر لم يحظ بقصة حبّه التي تخيلها لكنه عاش متمنيا أحداثها، تمنى أن يكون العاشق المرغوب.

نجد الذروة تبدأ في الفيلم من هذا الفقدان، قام الجوكر بقتل والدته وذلك لأنه اكتشف المعاناة التي سببتها له أمه وأنها فعليًّا لم تحبّه كباقي الأمهات، وقد تم رفضه من والده الذي لم يعترف به ويدعي أنّ أمه اختلقت قصة الحب بينهما وأنّ العلاقة بين والد باتمان ووالدته لم تكن أبدًا، لكن بعدها يُوضح للمشاهد من خلال الرموز أنّ الأب كاذب وقد كان هنالك علاقة بينهما.

بعد جرائم القتل يدخل الجوكر إلى بيت جارته ويجلس في صالونها، تخرج جارته وهي الفتاة التي أحبها، كانت خائفة منه وطلبت منه الخروج وقالت له إنها تملك طفله، في هذا المقطع هنالك إيحاء بأنّ الجوكر قام بقتلها هي وطفلتها، وإيحاء آخر بأنه خرج، وقد أعطي المشاهد أحقيّة الاختيار لنتيجة هذه المشهد، وهو أمر لا نلاحظة كثيرا في الأفلام المُلقنة، بل إنّ الرموز في الفيلم قويّة وتجعل المشاهد يتساءل بحيرة تامة وانتباه شديد.

هذا المشهد كان صرخة النداء والاستغاثة للحب الأخير للحظة الحقيقة هل يستمر في الجرائم أم يبدأ فرصة مع حقيقية بلا خيال مع جارته؟ لكن الجوكر لم يحظ بفرصة الحب التي كانت من الممكن أن تنقذه من أنّ يصبح مجرمًا.

سيطرت الوحدة عليه، وأصبح خاليًا من الأحلام وكله آمال ممزقة انتهت بالسخرية منه فانعطفت حياته. بشكل أو بآخر نحن نشبه الجوكر نحتاج إلى الحب مهما كان شكله من الأب والأم من الأصدقاء وشركاء الحياة، نحتاج إلى القبول الاجتماعي من الآخرين وأن نشارك عاطفتنا مع أحد ما، الحب يخلق معجزات الحب يغير من البشر ويجعلهم ذوي مسؤولية أكبر تجاه انفسهم وتجاه من يحبونهم، لذا من جعل الجوكر مجرما هو حرمانه من أهم احتياجاته فعاشَ حياة بائسة حزينة مليئة بالصراعات النفسية والطبقية، لذا احذروا أن تتحولوا إلى جوكر فالعاطفة والحب لا يجب الخجلُ منهما وَلا تعيشوا حياة خالية وكونوا لأنفسكم ولغيركم أحياء بالحب.

تدور أحداث الفيلم في فترة الثمانينات ونرى السيارات والملابس تناسب تلك الفترة بل وحتّى الشوارع والأماكن توحي للمشاهد بتلك الحقبة من الزمن، كما أنّ الفيلم يركز على نوعيّة الأشخاص التي عاشت في تلك الفترة يبرز الفيلم في إظهار الشخصيات بطريقة تدلُ على شحوبهم ضعفهم، كأنّما مساحيق التجميل لم تستخدم إلا لتظهر تعب الشخصيات وإرهاقها نسبة لحالتهم المعيشيّة في مدينة غاوثم، حتّى مكياج آرثر وهو البطل الرئيسي الذي يؤدي دور مهرج والمتعارف عليه أن يكون المهرج بمكياج مبهج ولافت لكن عكس المكياج هذه المرة غير المتوقع أوجاع المهرج ودمعته.

جو الفيلم لم يقتصر فقط على المكياج، بل نجد في الفيلم خاصيّة متميّزة وهي الموسيقى إن أحسن المخرج والمنتجون استخدامها فقد أمسكوا بأهم مفاتيح نجاح الفيلم ألا وهي الإضاءة والتي كانت أغلبها إضاءة قاتمة الألوان مثل شحوب الشخصيات فيه، فلا نرى إشراقة شمس أو إضاءة زائدة، ذلك لأنّ الكآبة هي البطل الأساسي المترافقة لشخصية الجوكر وللشخصيات الأخرى، فمن الواضح كميّة الخيبة في عيون الأفراد من الوضع الاقتصادي الذي يرثى له في مدينة الفوضى.

لا غريب أنّ الفيلم يحمل من التناسق ما يناسب أجواء الحبكة المتماسكة مع سرد القصّة المأساويّة كأنّ لا شمسَ تشرق في نيويورك، وكيف تشرق والعدل مغمور بالعتمّة في مدينة غوثام السوداويّة المُعبأة بالإجرام والفوضى.

كذلك الأمرُ بالنسبة لملابس الشخصيات المنقسمة بحسب الطبقات، فمن السهل والبديهي معرفة طبقة كل شخص بحسب ملابسه، طبقة فقيرة وطبقة غنية فالفقيرة مثل آرثر وبيئته بألوان داكنة ولا نرى إطلاقًا في الفيلم ألوانًا مبهجة مثل الوردي أو الأصفر حتّى الجوكر أكثر ملابسه قاتمة الألوان بأحمر داكن وبني باهت، ففي بداية الفيلم ارتدى آرثر ملابس ألوانًا تختلف عن نهاية الفيلم كون شخصيتة تغيرت من آرثر إلى الجوكر، ذلك لأنَ الملابس لها دلالات ورموز هائلة رافقت البداية والنهاية. أما الطبقة الغنية فهي ترتدي أفخم الملابس، بل علاوة على ذلك ملابس والمضحك المبكي المثير للسخرية أنه في إحدى المشاهد يذهب الجوكر لزيارة والده فيرى عالمًا مختلفًا عمّا عاش فيه، منزل فخم بحديقة وبوابة كبيرة، ويرى أخاه وهو باتمان المستقبلي، يرتدي أفخم الملابس بينما آرثر أخوه مهمل بملابس رثة ولا توافق بينهما، هذا المشهد حمل إضاءة خافتة تعطي للمشاهد جوًا من الضبابيّة والغموض بموسيقى بلحن متسارع لأنّ الأحداث لا تنفك إلا تتسارع.

ولا ننسى أنّ الموسيقى في أغلب أوقاتها اعتمدت على عزف الكمان، كأنما يقول المخرج تحدث أيها الكمان بلغة أنين الروح، أعزف أوجاع آرثر، بالرغم من أنّ المشهد الأول بدأ في تصوير آرثر يرقص ومستمتعًا في عمله إلا أنه تعرض للضرب فسادت أجواء الموسيقى بصمتها لتندمج مع كدمات الجوكر على وجهة، البداية رمزت للمشاهدين أنّ القصّة فيها أوجاع عديدة.

الممثل خواكين فينيكس من دون أدنى شك استطاع أن يؤدي الدور في ذروته التمثيليّة المبدعة، بالطبع نجد أنه خسر وزنًا كبيرًا لكي يؤدي هذا الدور وقد قال في إحدى المقابلات التي أجراها أنّه عزل نفسه عن العالم الخارجي، بالأخص وأنّ العلاقات الاجتماعية قائمة على الطعام فتوجب عليه الانقطاع الاجتماعي لفترة طويلة عدا عن أنه منع نفسه من التلفاز حتّى لا يقوم بمشاهدة إعلانات الطعام.

فقدان الوزن له دلالات عديدة، فالنحافة تدلُ على وضع صحي سيء للشخصيّة أو فقدان الشهيّة، وتطلبت هذه الشخصية حالة ذهنيّة غريبة من نوعها، كالضحك الهستيري والبكاء. يمكن القول أن خواكين يستحق جائزة الأوسكار لدوره هذا فقد استطاع تجسيد أوجاع شخصيّة الجوكر بمهارة وسلاسة، والعمل الجماعي للفيلم من الإخراج والكتابة لكل فرد في الطاقم أثمرت جهودهم بشكل ملحوظ، الحبكة تخطت الفكرة الروتينيّة لشخصيّة الجوكر المتعارف عليها وقُدم للمشاهد من وجهة نظر أخرى، هذا العمل يصنف كعمل رافقته جهود جبارة يستشف منها المشاهد نوعًا جديدًا من عهد الأفلام والأفكار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد