كلّما أرى صُور النّواب نائمين في المجلس أُردد: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.

إنّها أربعة أعوام ينام فيها النائب على الكُرسي تحت القُبة النيابية، ليستيقظ مُكرهًا خمس ساعات؛ يقرُّ فيها بالموافقة على ميزانية الدولة، طبعًا دون أن يستفسر، أو قبل الاستفسار يستمع لأي بند من بنود الموازنة، المهم (موافق)، إنّها أعوامٌ أربعة، وأكثر من نصف الجلسات النيابية لم يكتمل فيها النِصاب، أو إذا – لا سمح الله – اكتمل لا يستمر اكتماله إلى ما بعد استراحة الصلاة، يهربون بعد الصلاة، أو ربّما قبلها لأنّها كما أعلم تنهى عن الفحشاء والمُنكر.

وهنا لا بُدّ لنا من التفكير بإنجاز ما في ظلّ هذه الانكسارات الكثيرة التي بدأتها حكومتنا الشريفة بالتعاون مع نوابنا المحترمين الذين منحوها الثقة قبل أسابيع قليلة، الثقة على رفع الأسعار لكافة السلع، الثقة على رفع الدعم عن الخبز، الثقة على فرض ضرائب على القطاع الزراعي – مُتجاهلين الاعتصام المفتوح للمزارعين أمام المجلس منذ الإعلان حتى اليوم – دعنا من هذا الكلام، ولنعد للإنجاز، لماذا لا ننظر إلى الجانب المُمتلئ من الكأس، أقترح أن تُقدم حكومتنا أوراقها لتدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية؛ بأسرع ميزانية دولة تُقر في العالم، إنها خمسُ ساعات فقط، كفيلة بأن تدخلها أيضًا في منافسة شرسة مع (البقالة الصغيرة آخر الشارع)؛ لأن إقرار ميزانية بعدد صناديق الشوكولاتة وأكياس الشيبسي يحتاج وقتًا أطول.

يقول رئيس الوزارء الأردني: (فش مسخمين بالأردن)، نعم معاليك صدقت، لم يقف أهالي مرضى مركز الحسين للسرطان مُعتصمين على القرارات المُتخبطة بشأن عدم تجديد الإعفاء لمرضى المركز، ونقلهم للمستشفيات الحكومية للعلاج، مع العِلم أنّ المركز قد بُني من تبرعات الشعب والتبرعات الخارجية.

لم نرَ الأزمة على حاويات القمامة بحثًا عن طعام ليكون المشهد المضحك المُبكي بين رجُلين، يقول الأول للثاني: (ليش جاي هون هاي حاويتي، روح على حاوية ثانية)! وقطعًا لم يتكدس خريجوا الجامعات بلا وظائف ليُصبح الخريج رقمًا إضافيًا يرفعُ نسبة البطالة ليس أكثر، ولكي لا أكون من الظالمين هناك من يجد (واسطة) تُعيّنه في وظيفة حكومية، فلا يُصبح رقمًا، ولكنّهُ يُبقي على رقم آخر، ليكون رقمي ستة آلاف، بل أكثر قليلا في ديوان الخدمة المدنية منذ تخرجي، أي مُنذ أكثر من عام وأنا أحمل الرقم نفسه.

معاليه وَعَدنا – ووعدُه حق – أن نخرج من عُنق الزجاجة خلال عام، جازمًا أن الوضع الاقتصادي سيتحسن، لذلك قام بستة تعديلات وزارية خلال فترة رئاسته، يستلم فيها الوزير شهرين لا يُثبت فيهم كفاءته، بحسب قوله؛ فيُقيله ويصرف له بعد إقالته راتبًا مرتفعًا جدًا (راتب وزير متقاعد) مدى الحياة – معاذَ الله أن يكون راتب معاليهم من جيوب الشعب –
لا تلتفت لقولي هذا، المهم الآن عنق الزجاجة! المهم أن نخرج منه أحياءً أو أمواتًا.

يقول الله تعالى في سورة قُريش (فليعبدوا ربّ هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). أن تتغنى بالأمن والأمان والشعب جائع لهو أمرٌ عجيب! الأمعاء الخاوية قادت إلى المحرمات، من قتل وسرقة وزنا، قادت إلى محاولات انتحار بالجملة، قادت أبًا يمسك بطفلين ويُحاول أن يلقي بنفسه وإياهم من مرتفع؛ لأنه لم يجد طعامًا لهم، فلا تأمنها بعيدًا عن الشارع؛ قد أمِنها قومٌ قبلك فهلكوا، لا تحاول استفزاز الصوت في الحناجر أكثر من ذلك.

الهامات مرفوعة، والعيون باتجاه العلم. أبق على شيء في جيوبنا نشدُّ به هاماتنا؛ لتبقى العيون تعرف اتجاهها، إنّه لأمرٌ مأسوي حقًا أن يضعف بسبب نقص الغذاء النظر، أن ينحني الظهر أكثر امام سارية العلم، نريد أن نشتري الجزر معاليك، لا لشيء اقسم لك، فقط نريد أن نرى الوطن، في عيوننا رغيفُ خبز نشتريه دَينًا لا نملك الثمن! نحن الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد