لقد كان الأردنيون في الأيام القليلة الماضية على موعد مؤلم وفاجعة من العيار الثقيل تركت أثرًا عميقا في قلوبهم وقلوب العرب جميعًا، كيف لا والضحية فيها فلذات الأكباد طلبة صغار بعمر الزهور كانوا قد ذهبوا لرحلةٍ يرفهون بها عن أنفسهم البريئة فإذا هم يضربون موعدًا مع الموت!

الموت ذلك المرعب المخيف هادم اللذات ومفرق الأحبة وخاطف الأحباب.

رحلة إلى البحر الميت أم رحلة إلى الموت لم يعد الأمر مهمًا فكلاهما سيان وكلاهما أصبح وجها للآخر. بحر مات منذ آلاف السنين لكنه أبى إلا أن يستيقظ من سبات عميق ليستجيب لنداء القدر حيث اللامهرب، فقد اختارهم الله ليكونوا في جواره يرتعون في جنانه بعيدًا عن ألم الدنيا وهمومها، فجوار الله ونعيم جناته خير لهم من حياة قصيرة فانية زائلة لا محالة، فإن طال العمر أو قصر فلا مفر من الموت بصرف النظر عن أسبابه.

نعم لقد كان الحدث مؤلمًا موجعًا أدمى القلوب وأجرى المآقي، لكن يجب علينا أن نكون أقوياء بما فيه الكفاية حتى نتجاوز الأزمة ونجتاز المحنة ونتعلم منها الدروس والعبر حتى لا تتكرر الفواجع ونعيش نفس المشهد المؤلم الذي عشناه.

فما إن وقعت الكارثة حتى انبرى الجميع بالتحليل والتنبؤ بسبب الكارثة والتخمين على كاهل من تقع المسؤولية، وأخذ كل طرف بلوم الآخر وتجميع ما يكفي من الأدلة لإثبات صحة وجهة نظره، فالحكومة تلوم المدرسة وتحملها الجزء الأكبر من المسؤولية وهذا ما ظهر جليًا في تصريحات المسؤولين ومن أعلى المستويات، وبالمقابل تلوم المدرسة وزارة المياه وتدعي أن السيول الجارفة سببها تلف بلاطة السد الموجود على مقربة من مكان الحادثة، وغيرها الكثير من التجاذبات وتبادل الاتهامات.

أنا أعتقد أنه من المجحف جدًا أن نحمل سبب وقوع الفاجعة لطرف دون آخر فالمسؤولية مشتركة والكل يتحمل جزءًا من المسؤولية والنظرة يجب أن تكون نظرةً شمولية لا أن تكون نظرة أحادية من زاوية واحدة إذا ما أردنا أن نصل لحقيقة الأمر وتفادي ما قد يحدث مستقبلًا والقدرة على التعامل مع ما حدث، والأهم من هذا كله هو القدر الذي لا مفر ولا مهرب منه، فقد كتب لتلك الزهور أن تموت في هذا المكان وهذا اليوم وتلك الساعة، كتب لهم أن يدخلو الجنة سويًا شهداء، فالغريق كما ورد في الصحيح شهيد ونحتسبهم عند الله من الشهداء، ونسأل الله أن يلهم ذويهم الصبر ويربط على قلوبهم.

وإذا ما نظرنا للموضوع من زاوية أخرى وجدنا أن من رحم هذه الكارثة خرج لنا أبطال وجب علينا شكرهم وتكريمهم والنظر إليهم كقدوات ونماذج يحتذى بها بالشجاعة والتضحية والإخلاص والانتماء، وإذا ما ذكرت فاجعة البحر الميت وجب علينا لزامًا أن نذكر بطولة وشجاعة الكابتن الغواص الوكيل زاهر العجالين ذاك البطل البسيط المتواضع الذي آثر أن يترك كل التزاماته وارتباطاته الشخصية والعائلية ويقطع إجازته الخاصة ليضحي بنفسه من أجل إنقاذ ما استطاع إنقاذه وسط ظروف بيئية صعبة وباستخدام أدوات بسيطة إلا أنه مشكورًا مأجورًا خاطر بنفسه واستطاع إنقاذ خمسة أطفال وانتشال أربعة جثث، لقد علمنا البطل زاهر العجالين معنى آخر لمفهوم الوطنية ليقول لنا: إن الوطنية عمل وتضحية وإخلاص دون انتظار مقابل من أحد والوطنية ليست تنظيرًا وتطبيلًا وتزميرًا وبذلات رسمية باهظة الثمن والسعي وراء المكاسب والمناصب!

وأيضا أعتبر أنه من الإجحاف ألا نذكر الدور البطولي الذي قامت به الأستاذة مجد الشراري التي استطاعت بحسن إدارتها للموقف وشجاعتها بالحفاظ على حياة ثلاثة عشر طالبًا ومساعدتهم على الحفاظ على حياتهم رغم الظروف الصعبة التي مروا بها.

إن وقوع الكوارث أمر طبيعي جدًا، فالكارثة تحدث سواء كانت في البلاد العربية أو في غيرها من الدول الأخرى لكن ما ينقصنا في الدول العربية هو طرق التعاطي مع الأزمات والكوارث وعدم قدرتنا على استيعابها واحتوائها للحد من خطورتها ونتائجها السلبية والتخفيف من أضرارها المادية والبشرية على عكس الدول المتقدمة التي تملك من التجهيزات والأدوات والإمكانيات المادية والتقنية والبشرية ما يكفي للتعاطي بكفاءة وفعالية مع الأزمات والكوارث وإدارتها بالشكل المطلوب، لذا يجب علينا أن نستفيد من ذلك الحدث الجلل وأن يكون لدينا إدارات كفأة قادرة على إدارة الكوارث والأزمات مكونة من فريق مؤهل ومدرب بشكل ممتاز، موفر له كل الأدوات والتقنيات التي من شأنها أن تساهم بشكل فاعل في احتواء الأزمات والكوارث، والنقطة الأهم هو حالة عدم اللامبالاة وعدم أخذ الأمور على محمل الجد من الجميع مواطنين ومسؤولين إذ أننا وربما أنا أولهم نتعامل مع التحذيرات والتنبيهات بنوع من الاستخفاف واللامبالاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد