لقد تفاقمت مديونية المملكة الأردنية الهاشمية في الأونة الأخيرة لتصل إلى مستوى عالٍ، بلغت تقريبًا 30.07 مليار دينار (42.4 مليار دولار) للمرة الأولى في تاريخها، إن هذا الكم الهائل من الدين العام والذي يشكل نسبة 96.9% من الناتج المحلي الإجمالي يصعب علينا سده واجتياز عواقبه الوخيمة، إذا ما باشرنا في العمل جاهدين كي نتخلص منه ونقلل من عواقبه الاقتصادية الوخيمة، التي ما زالت تؤثر فينا بوصفنا أبناء لهذا الوطن، والتي بلا محالة ستغير مصير الأجيال القادمة للأسوأ. جاء هذا الارتفاع الكبير في المديونية بسبب ارتفاع فوائد القروض السابقة التي حصلت عليها الأردن وبسبب حصول الحكومة على قروض جديدة من مؤسسات دولية وعالمية مختلفة، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، كما طلبت الحكومة تسهيلات ائتمانية من بعض الحكومات الأخرى، والتي أودت بنا إلى هذا المطاف. إن سياسات الاقتراض من الداخل ومن الخارج التي تتبعها الحكومة من أجل تغطية عجز الموازنة العامة وسداد القروض المتراكمة عليها من سنوات سابقة، أدى إلى عدم سيطرتنا على الأداء الاقتصادي في البلاد، لهذا يجب على من يملك زمام الأمور أن يبدأ بخطة إصلاحية لهذا النظام الاقتصادي القائم كي نكون قادرين على تملك زمام أمورنا وأخذ قراراتنا دون مواجهة ضغوطات من الجهات التي أقرضتنا وعجزنا عن سدها.

إن السبب الرئيسي الذي يقف وراء المديونية الضخمة التي يعاني منها الأردن، هو فشل إدارة موارد الدولة. على الحكومة أن تستغل القروض التي تأخذها من مختلف المؤسسات المحلية والإقليمية في استقطاب استثمارات وإنشاء مشروعات اقتصادية ذات عوائد مالية تتيح لنا سد هذه القروض في المستقبل. إن الأموال المقترضة تصبح خطرًا عندما يجري صرفها وضخها لتغطية نقص الموازنة بدلًا من فتح مشروعات استثمارية تجذب رؤوس الأموال من مختلف دول العالم. إن الذي كان يحصل هو أن الحكومات المتعاقبة كانت تعمل جاهدة للحصول على مزيد من القروض بأسعار فائدة مخفضة لسد الرواتب ونفقات وفوائد الديون السابقة من دون الانتباه إلى أخطار الاقتراض في المستقبل، وترتب في النهاية أعباء مالية كبيرة على الدولة أدت إلى ارتفاع أقساط الديون وفوائدها، وبالتالي ارتفاع عجز الموازنة طرديًّا مع الزمن. وهذا الارتفاع المتواصل في مديونية الدولة التي يمر بها الأردن ليس إلا دليلًا على فشل السياسيات المتبعة والتي إذا لم تغير، ستؤدي حتمًا إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على كاهل الدولة لسنوات مديدة في المستقبل. إحدى أهم المشكلات التي نعانيها هي اعتماد الإيرادات المحلية على الضرائب والرسوم التي تدفعها كل من الشركات والمواطنين بدلًا من الاعتماد على الاستثمارات والاستفادة القصوى من الموارد الاقتصادية والبشرية التي نملكها، وهذه معضلة تحد من قدرتنا على سد مديونية الدولة والفوائد المترتبة عليها، ما دامت مواردنا الاقتصادية لا تعظم ولا تطور.

إن اقتراض الحكومة من المؤسسات المحلية في الدولة يشكل خطرًا حقيقيًّا على الاقتصاد الوطني، لأن هذا الاقتراض يستنزف السيولة المالية في الاقتصاد المحلي، وبالتالي سيقلص القوة الشرائية وسيزاحم القطاع الخاص للحصول على التمويل من البنوك المحلية وعلى الأموال المتاحة للإقراض. كما أن الحكومة ستصبح الزبون المفضل لدى البنوك بوصفها مقترضًا مضمونًا قليل المخاطر على القطاع الخاص، وبالتالي ستصبح سياسة التمويل المصرفي سياسة انتقائية. إن الاقتراض غير المدروس والمخطط له من المؤسسات الدولية يجعل تلك المؤسسات جماعات ضغط على الحكومة الأردنية. وقد تجبر تلك المؤسسات الحكومة على تلبية شروطها ومتطلباتها والتي قد تضر المواطنين، مثل رفع الضرائب، والارتفاع المفاجئ لأسعار بعض الخدمات، مثل المياه والكهرباء. إن الاقتراض لمواجهة فوائد الديون التي راكمتها الحكومات على مستقبل الأجيال سيؤدي بنا إلى التهلكة إن لم نتخلص منه، لأن تلك القروض ليست إلا ديونًا جديدة لتسديد ديون قديمة.

إن الحل الأمثل لتحسين الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به الأردن هو إيجاد حلول وخطط تعزز من فرص الاستثمار في البلاد وتجذبها من مختلف أقطار العالم. فهنالك العديد من رجال الأعمال الذين يتطلعون إلى فرص في شتى أرجاء العالم للاستثمار والاستفادة من الفرص المتاحة كي يحققوا مصالحهم الشخصية، والتي ستؤثر إيجابيًّا في الوضع الاقتصادي الراهن. على الحكومة أخذ خطوات فعالة لجذب رجال الأعمال ومختلف الشركات العالمية، وهذا يتطلب إعادة النظر في متطلبات الاستثمار في الأردن، ومحاولة تسهيلها قدر الإمكان، وعليها أيضًا أن تعيد النظر في طرق صرف مواردها الاقتصادية حتى تستطيع أن تجتاز الصعوبات والتحديات الاقتصادية التي تمر بها، وحتى تتفادى المخاطر المختلفة الناجمة من سوء إدارة مواردها المالية. إن النمو الاقتصادي في الأردن تضرر كثيرًا خلال السنوات السابقة مع ارتفاع نسب البطالة وتأثير الصراع لإقليمي على المستثمرين في المملكة، الحل الأمثل لتسريع عجلة النمو الاقتصادي هو تحسين البيئة الاستثمارية في الأردن وزيادة الإنتاج المحلي، وذلك بإصلاح المناخ الاستثماري في الأردن بالتزامن مع إحداث تحسن في القدرة الشرائية للسكان سيكون دافعًا ومحفزًا لتحقيق مزيد من المكاسب الاقتصادية في البلاد، وتحسين الأوضاع المالية، وتعديل الميزان التجاري.

الحكومة الأردنية لم تكن تقترض لدعم البنية الاقتصادية وتعزيز الإنتاج والصرف على البيئة الاستثمارية بالقدر الذي تنفق على النفقات الجارية، من رواتب ونفقات عامة، وسداد مستحقات القروض وفوائدها، وهذا يجعل الأردن يقترض من أجل السداد لا من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاستثمارية، والصرف على المشروعات التي تدر دخلًا وتزيد من إيرادات، فما الجدوى إذن من الاقتراض في ظل غياب واضح للمشروعات الإنمائية في المنطقة؟ إن سياسة الاقتراض هي جزء من الأزمة المالية التي يعانيها الأردن، وكل الديون الجديدة ليست إلا أعباء جديدة على اقتصاد مثقل بالديون ستؤثر لاحقًا في القرارات السياسة في البلاد، فلا انفكاك بين استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد