وطنًا جميلًا ظالمًا مظلومًا تراه، هكذا تنظر إليه من الخارج، هكذا تتمنى أن يكون، توطن نفسك في البحث عن الإيجابيات، والقفز عن السلبيات أو إنكارها، لرسم صورة مثالية له.

الأردن بخير! قالها شاب يعيش بالخارج، الألم اليومي للمواطن، مطالبًا الناس بالرضا بالأمر الواقع، فالحمد والشكر يتقدم على الرفض والاعتراض أو حتى الإضراب.

الأكاذيب والصور النمطية التي زرعتها الدولة في عقول أبنائها باعتباره أنموذجًا يُحتذى، فهو المتعلم الواعي، الحريص على مؤسساته الديمقراطية التي تمارس وظيفتها وفق القانون والدستور، الريادي في المنطقة إن كان علميًّا أو تعليميًّا، أو اقتصاديًّا، أو صحيًّا، أو ثقافيًّا، أو اجتماعيًّا، مع أن الحقيقية غير ذلك، بل هي عكس ذلك تمامًا، فالأردن ليس مركزًا للكون كما صور لنا، والعالم بشعوبه لا يدرون أين هو، لكن ثمة إصرار عجيب يدعو للتمسك بهذه الصور، ويرفض الاعتراف بها باعتبارها أكاذيب.

كذبة كبرى تلك التي تقول إن الأمريكي، والأوروبي مثلًا يعلمان موقع الأردن من الخارطة، فقط انطلاقًا من معرفته لمدينة بترا، مع أن الأمريكي ينظر لها «كعبة اليهود»، وأحد المحطات الرئيسية لرحلاتهم باعتبارها أحد مقدسات التوراة، في عين السياق المقولة السطحية التي تقول: «إن العالم يعرف الأردن انطلاقًا من قادته»، مع أن الأصل معرفة القادة انطلاقًا من أوطانهم.

الأمر ينطبق على الصحة والتعليم، فأنت مهما تبنيت من أكاذيب تحاول تصديقها، تبقى دولة من العالم الثالث، ينخرها الفساد، يهرب منها الاستثمار، الديمقراطية فيها تعتمد على عبادة الفرد الحاكم، وما يلحق به من مؤسسات أمنية مرعبة، السياسية فيها على مقاس الحكام، ومن يتسلق ظهورهم، أما الشعب مجرد أرقام لا يكترث لأمرها أحد.

الأردن يا صاحبي ليس بخير، وسأقول لماذا:

الانتخابات عشائرية ترتبط بعادات وتقاليد بالية لا تتناسب وحركة العالم، تنتج تشوهات، تُرسم وهمًا، تنفصل عن الواقع، ومجلس النواب أقرب للمقاولات من التشريع، تخلى مقابل امتيازاته عن وظيفته، وأضحى أداة مطواعة بيد رجال أعمال ينخرون جسده ومقدراته.

الحكومة مع أجهزتها الأمنية خاضعة للدولة العميقة تمثلها البنوك والشركات العابرة لجيوب الأردنيين، الحكومات يقودها رؤساء شخصياتهم مهزوزة مأزومة سهلة الانقياد، خدمة لمصالح رأسمال وسدنته.

الصحة يا سيدي مصابة بمرض مستعص، فالمستشفيات تئن من أوجاع الضغط، قلة المعدات والكوادر وكثرة أعداد المرضى عملت على تراجع الجهاز، رغم أن أعداد الخريجين من الأطباء والممرضين يغطي احتياجتها.

التربية والتعليم يُحيط بها الجهل المعرفي، انظر إلى طلاب المدارس، إلى الصفوف، إلى الكوادر، إلى القوانين، هل يوجد دراسات حقيقية مستقلة مثلًا تبين نسبة أعداد تسرب الطلبة من المدارس ونسبة القادرين على القراءة والكتابة في المراحل كافة؟ الطالب ما زال يختبر تجربة العدس مع القطن إلى اليوم كأحد المقدسات في درس العلوم، في الحقيقة لا يكفي أن يكون وزير التربية «متنورًا» لإنقاذ المؤسسة التعليمية.

التعليم الجامعي لا يختلف عن المدرسي فهو مصاب بأمراض العصر، يرفض التقدم خارج أطر الصندوق المغلق منذ عشرات السنين، ومعه عقول الطلاب، المواد التقليدية تنتج كمًّا وعددًا وجهلًا في متوالية لا تنتهي، تنعكس سلبًا على أمن الدولة القومي لاحقًا.

الإعلام والصحافة يتبعان الحكومة، هما مجرد سوط بيدها، يُجلد به الشعب لضمان استقرارها، الصحافة في الأردن تلهث خلف الطبقة المخملية الحكومية، وتبتعدُ عن الطبقات المسحوقة، الصحافة في وطني، والإعلام مثلها يرى أن المطبخ وسيلة لقيادة الدفة حتى وإن افتقد –المطبخ– للثقافة وللمشروعية، الذي يقود في المجال، أضحوا مؤثري صفحات السوشيال ميديا، وأصحاب رأي، غالبية المنتج البرامجي لا تحمل معنى أو مبنى لكنها تعتمد مبدأ التجهيل الممنهج للشعب، بدلًا من القيادة والتنوير.

الحكومة بشخصياتها المهزوزة نفسيًا والمهزومة شعبيًا ليست بخير، أكاذيبها تسبق صدقها -السمة الأبرز لشخصية رئيس الوزراء الحالي «هاني الملقي» هي العصبية والغضب الدائم– ظلمها يسبق خيرها، جبروتها يطغى على رحمتها، يتداخل الأمني فيها مع السياسي مع الحكومي، وفوق كل ذلك مع الاقتصادي في السيطرة على مقدرات البلد.

كيف يكون الأردن بخير يا صديقي؟!

يكون الأردن بخير، عندما نعترف بالأخطاء لمعالجتها، لا إنكارها، يكون بخير إن صار المسئول صادقًا وأخلاقيًّا في عمله، وقابلًا للمساءلة، عندما تعمل الأجهزة انطلاقًا من مصلحة البلد، لا مصلحة القيادات والمسئولين، فالبلد أولى وأبقى منهم.

يكون بخير عندما ننظر للأردن انطلاقًا من الأردن، عندما نضعه في سياقه الحقيقي باعتباره وطنًا ما زال في طور البناء، ثمة نجاحات فيه، لكن هناك الكثير من المصائب والسلبيات التي أنتجتها سياسيات الدولة ومؤسساتها برجالها.

يكون بخير عندما تسقط القدسية التي يتحدث بها رئيس الوزراء كأنه «عمر بن الخطاب»، لكنه يصر على التصرف مثل: «أبو جهل».

يكون الأردن بخير، عندما يكون راتب الجندي على الحدود أعلى من راتب المسئول الذي لا يتحرك عن كرسيّه، عندما يكون المعلم مقدسًا، وعامل الوطن مقدرًا، عندما تكون فيه المستشفيات والعلاج للجميع، لا للخاصة أو أصحاب المال، عندما ننتخب نوابًا وأعيانًا منا وفينا، نستطيع محاسبتهم، عندما تعمل الأجهزة لصالح الوطن والشعب لا لصالحها، عندما تكون أجهزة الأمن والمخابرات والجيش ومكافحة الفساد قادرة على محاسبة الفاسدين، واستعادة أموال الدولة ومواردها المغتصبة، عندما يكون الشعب قادرًا على مواجهة سياسيات الدولة داخليًّا، وانبطاحها خارجيًّا.

الأردن الوطن، والمقر، والمستقر يا سيدي ليس بخير، هو مريض يعاني، وكيف لنا أن نقتنع بخيرية الوطن وثمة مواطن يصرخ لتأمين رغيف من الخبز لأسرته، هنا يا صديقي تيقن أن الأردن ليس بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد