في عام ٢٠١٠، أصدرت الرئاسة السورية قانونًا معدلًا خاصًا بالأراضي الزراعية، يسلب الأراضي من كبار الملاك؛ لتوزع على صغار المزارعين الذين لم يتمكنوا من استغلالها، لتباع لاحقًا لصالح «رامي مخلوف»، وجماعات الأغنياء الجدد التابعين للنظام السوري.

القانون نص على إخراج كبار الملاك من تجار دمشق، أي أن القانون عمل على ضرب

«البرجوازية» السورية لصالح مخلوف، القانون كان أحد أهم محركات الثورة السورية لاحقًا.

أسوق هذا المثال للحديث عما يعتمل في داخل الأردن، بشكل ممنهج؛ بهدف ضرب «البيروقراطية» الأردنية الوطنية لصالح جماعات الأغنياء الجدد، و«الليبراليين» المرتبطين بالنظام الأردني، والمشاريع الدولية في المنطقة.

كلاب «داعش»

تعرض الأردن خلال الأشهر الماضية إلى هزات أمنية، شنتها مجموعات تابعة لعصابات «داعش»، وذئاب منفردة، أظهرت أن المنظومة السياسية والامنية الأردنية متعبة جدًا، أو هكذا يراد تصويرها؛ نتيجة الضغط الذي تواجهه على كافة الصعد، بهدف ضرب منظومة الأمن داخليًا.

خسائر الدولة الأردنية لا يمكن تقديرها، بشريًا، أو سياسيًا، أو أمنيًا، ما يعني أن ثمة ضرورة حقيقية لإعادة النظر في المنظومة الاستراتجية الأمنية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، وإعادة بنائها من جديد بشكل متكامل، لمواجهة التنظيمات داخل الأردن، والتي تضم منظومة الفساد المؤسسي بأذرعها، ومجموعات الأغنياء الجدد، ومن يقف خلفهم. وهذه لا تكون، إلا بتكاتف أبناء الشعب الأردني، لإفشال مخططات هؤلاء بواسطة إنتاج حالة أردنية حقيقية تحرص على الأمن والاستقرار، باعتبارهما عنصرين أساسيين، لا يمكن إغفالهما في هذه الاستراتجية.

داعش اقتصادية أردنية

المنظومة الأمنية الأردنية بعد كل عملية إرهابية، تخضع لرغبة البعض ممن لا يجدون أمامهم طرقًا لتفريغ غضبهم، والتغطية على فشلهم في حماية الداخل، إلا بخلق الأسباب للتصادم مع الشعب، وصرف الانتباه عما يجري في مؤسسات الدولة من صراع سياسي أمني مصلحي، لا وطني، من أجل إسقاط الثقة في المؤسسات، لتسهيل ضربها لاحقًا، لصالح طبقات الأغنياء الجدد، ومن يقف خلفهم.

أساليب الحكومات باتت معروفة للقاصي والداني، تعتمد رفع الأسعار، زيادة الضرائب، تكميم الأفواه، استخدام القوة المفرط، إضافة إلى الاقتراض من الخارج، وتحميل نتائج سياسات الفشل للشعب.

ما يعني توسيع دائرة الغضب الشعبي تجاهها، تمهيدًا لمواجهتها، حتى وإن تطلب الأمر خلق الأسباب لمواجهة العشائر، وضرب الثقة بها، وبدورها باعتبارها أحد مهددات الاستقرار الداخلي في الأردن.

إدارة الدولة بهذا الاسلوب «قد» تنقلب لتنتج مواجهات عنيفة دموية غير متوقعة، فالضغط يولد انفجارًا يمكن أن يتحول إلـى حافز خطر ينقلب على الدولة من داخلها، فيكشف ظهرها لمن يتربص بها من خارجها.

الفقر و«داعش»

منذ سنوات نجا الأردن من مستنقعات استيراد الإرهاب ومنظماته، بمعنى أن الأردن، لم يتعرض لمواجهات قتالية أو عمليات إرهابية داخلية بيد أبنائه.

لكنه، كان مصدرًا للكوادر الإرهابية، قيادات وأفراد، هذا النجاح يحسب لجهود الأجهزة الأمنية وتماسكها ووضح رؤيتها واستراتجيتها في التعامل مع الأحداث بواقعية تامة.

لكن إصرار الحكومات على اتخاذ الوسائل الأمنية، والاقتصادية العنيفة في تعاملها مع المواطنين، يمنح عصابات الإرهاب من «داعش»، وأمثاله، الأفضلية لدخول الأردن، كما يعطي الشباب الأردني الذي يصرخ من سياط الفقر والبطالة، الحافز للانتماء للمنظمات الإرهابية، لمواجهة الحكومات وقراراتها.

أي أن قرارات وسياسات الحكومات تشكل تربة خصبة يمكن استغلالها من داعش، وغيرها من عصابات الإرهاب الدولي، كورقة رابحة لضرب الداخل الأردني وتماسكه.

الخلاصة: توجهات الحكومات الأخيرة والقائمين عليها من رفع الأسعار والضرائب وتكميم أفواه الناس ومواجهتها، إنما يدل على ارتباك حقيقي في عقل النظام السياسي والأمني والاقتصادي الأردني، يتطلب إيجاد علاج جذري، يحصن الداخل ضد الاختراق.

إن كانت داعش وعصاباتها تحاول ضرب الدولة الأردنية من الخارج لزعزعته، فإن الحكومات الأردنية تعمل على ضرب الدولة من الداخل، لهز استقرارها، فهل ثمة فرق بين إرهاب الخارج، وإرهاب الداخل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأردن
عرض التعليقات
تحميل المزيد