لو قيل لنا قبل انتشار هذا المرض بأسبوع أو شهر :«هل تتخيَّل أن ترى شوارع نيويورك، أو شوارع ميلبورن، أو باريس فارغة تمامًا؟» ماذا كنت سترد؟ «ماذا لو كانت شوارع المدن الكبرى والعواصم حول العالم لا تعج بالناس، وبرجال الأعمال والسياح والمشترين، والجميع يلزم بيته، والحيوانات البرية النادرة تشاهَد في الشوارع بدلًا من الناس..» ماذا ستكون ردة فعلك؟ إنه لأمر عجب.

نشاهد اليوم مقاطع مصورة لمشاهد من حول العالم، وقد عمَّ الهدوء، بعد تفشي «طاعون» من نوع مختلف، في سوق محلي في مدينة صينية في وسط «الأرض الأم»، وليست الولايات المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي الكبير، ولا بريطانيا بمعزل عن هذا الوباء. ولاحظنا وجوده نحن العرب هنا في منطقتنا وبشكل واضح؛ فالعيد ليس كالعام الفائت، ولا احتفالات الفصح وصلوات الكنائس، ولا «لمّات» رمضان. ومن بين أبرز الدول في المنطقة العربية التي كسبت ظهورًا واسعًا على شاشات الإعلام الأجنبية والعربية هي المملكة الأردنية الهاشمية. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على أبرز القرارات الأردنية في ظل مواجهة كورونا والسياق الزماني والمكاني لتنفيذها. تعافي المصاب الأردني الأول و«الأردن خالٍ من كورونا»

أعلِن في الثاني من مارس (آذار) عن أول إصابة بالفيروس في الأردن لشخص قادم من إيطاليا. وبعد قضاء الفترة اللازمة في المشفى وحصوله على العناية اللازمة غادرها المصاب، وأُعلن الأردن خاليًا من الكورونا.
وأُعلنت تزامنًا مع ذلك حزمة جديدة من الإجراءات التي تعنى بزيادة وعي المواطنين بالمرض، وبحثِّهم على الاهتمام بالنظافة الشخصية وبعض الإجراءات الاحترازية الأخرى. وفي 14 مارس أطلقت الحكومة الأردنية حزمة من القرارات الصارمة شملت قطاع التعليم والترفيه، وإقامة الشعائر العامة والتجمعات والمناسبات، وقرارات تقضي بمنع السفر، كما أوقفت زيارات السجون والمشافي في المملكة.1 أعلنت الحكومة بعدها بيوم عن اثنتي عشرة إصابة جديدة بالمرض، خمسة منهم أردنيون، حيث أُرسلت الحالات جميعها لتلقي العلاج في مشفى حكوميٍّ في العاصمة عمان.
جهزت الحكومة الأردنية خلال فترة عشرة أيام البيئة الرقمية اللازمة لوزارة الصحة ورئاسة الوزراء، تخصصها لإبقاء المواطنين على اطلاع بخصوص الوضع الوبائي في البلاد، ومن ناحية أخرى لنشر الوعي العام بالمرض. 2 وركزت الحكومة بالأخص في هذا المجال على تعزيز البنية التحتية الرقمية، وأتاحت للشعب فرصًا أكبر لأداء أكثر أعمالهم في الفضاء الإلكتروني. كما أطلقت الحكومة الأردنية بالتعاون مع شركات اتصالات، مبادرة تحت عنوان «محفظتي» لتجنب الدفع النقدي قدر الإمكان، بعد صدور توصيات بالحد من التعامل بالنقد الورقي في الظرف الوبائي الحالي. قد توصف هذه الإجراءات بالصارمة، وقد توصف بأنها احترازية ضرورية؛ خاصة في دولة كالأردن، حيث قد يؤدي أي تفشٍ واسع لوباء على الأقل، إلى تهالك نظامها الصحي.

متى تستأنف الآلة الاقتصادية عملها؟

لا يعطيك فيروس كورونا خيارات كثيرة، فإما أن تواجهه بإغلاقات تامة تفرِّق مصادر العدوى وتشل حركة الاقتصاد، وإما أن تدير الأمر كما كان قبل الأزمة بقليل من التوصيات العامة للمواطنين. وبذلك تترك للمرض «الحرية» بالتنقل بين الأفراد الذين لا يجدون حرجًا تقريبًا بمتابعة عملهم كما كان قبل الفيروس. فكأنها كالتقسيم الكلاسيكي؛ شيوعية، أو ليبرالية رأسمالية.

أما بالنسبة للأردن، فيعتمد بنسبة 13% تقريبًا من اقتصاده المحلي على السياحة.5 لا شك أن اقتصادًا صغيرًا ناشئًا كاقتصاد الأردن سيعاني أضعاف ما عانته بالفعل اقتصادات دول كبيرة بمخزون مالي كبير يربط بعضها ببعض علاقات تجارية ضخمة.6  ومع اعتماد بلاد مثل الأردن بنسب كبيرة على المنح والمساعدات الخارجية، فإن وقع الأزمة كبير. مع توقعات محللين وخبراء اقتصاديين أردنيين بدوام تباطؤ معدلات النمو في الاقتصاد بين 8%- 10% في مرحلة ما بعد الأزمة، أي عودة الحياة الاقتصادية جزئيًّا للعمل. 7

«التأقلم»

ألمحت الحكومة الأردنية في الأول من يونيو (حزيران) إلى إجراء دراسة شاملة لخطوات ومراحل منظمة من قبل الحكومة، تعيد فيها الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها تدريجيًّا، مكوَّنة من خمس مراحل. وأعلنت قبل ذلك إعادة إقامة صلوات الجمعة في مساجد المملكة بداية من 5 يونيو وإعادة تنظيم الصلوات في الكنائس بدءًا من الأحد، السابع من الشهر نفسه. ولعل ذلك يدل على بداية مرحلة «التأقلم» مع المرض في الأردن أيضًا، وقد أعلنت دول عربية وإسلامية إجراءات مشابهة سابقًا. وقد قدمت الحكومة الأردنية بأمر رئيس الوزراء عمر الرزاز بلاغًا رسميًّا يسمح لأرباب العمل بإنهاء خدمات العاملين بالقطاع الخاص، وتخفيض أجورهم بنسب تتراوح من 30%-60% مع تزايد الضغوط المالية على أصحاب العمل: (النص من موقع رئاسة الوزراء الأردنية الإلكتروني).

يؤكد البلاغ توفير الحماية الممكنة في مثل هذه الظروف للعمالة الأردنية على وجه الخصوص، في حين ستكون مرجعية حماية العمالة الأخرى هي قانون العمل، وليس أمر الدفاع أو البلاغات الصادرة بموجبه. وتضمَّن بلاغ رئيس الوزراء ما يجيز لصاحب العمل – في القطاعات الأكثر تضررًا – الاتفاق مع العامل الذي يؤدي عمله في مكان العمل أو عن بُعد بشكل كلي، على تخفيض أجره الشهري بنسبة قد تصل حتى 30% عن كل من شهري مايو ويونيو من عام 2020، وبدون إجبار أو ضغط من قبل صاحب العمل تحت طائلة المسؤولية والعقوبات الواردة بأمر الدفاع، على ألا يقل ما يتقاضاه العامل من أجر عن الحد الأدنى للأجور، شريطة أن يبدأ التخفيض بأجور الإدارة العليا في المنشأة.

كما ستعلن الحكومة «منهجية علميَّة» تعتمدها في فترة إعادة التشغيل، للتعامل مع الأزمة الصحية الراهنة، «تتضمن خمس مراحل متدرجة لفتح القطاعات وإعادة تشغيلها، وفقًا لمؤشرات الحالة الوبائية، وأهمية القطاعات وأولويتها». (الموجز الإعلامي للحكومة الأردنية حول أزمة فيروس كورونا، تحديث: 1 حزيران 2020)

إذًا هل نحن مقبلون على «فترة التأقلم والتعايش» مع هذا المرض، الذي فتك إلى الآن بما يقارب 300 ألف إنسان؟ سيناريوهات التعايش متفرقة ومختلفة، ووحده الوقت الذي سيكشف لنا مدى فاعليتها ونجاحها، وأضرارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد