الدولة الأردنية محاصرة من قبل حلفائها وداعميها وأصدقائها، عربا وغربيين. اليوم، تحدي الدولة الأكبر هو الخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية الخانقة دون التخلي عن موقعها ودورها الإقليمي الجيوسياسي التاريخي، وما يأتي مع الأخير هذا من دعم وتمكين اقتصادي وغيره.

بين ضغوطات حائكي مؤتمر البحرين وما توجهه الدولة داخليًا من مقاومة القوى المحافظة وإملاءات صندوق النقد الدولي واعتماد الدولة عليه لعبور المأزق الاقتصادي، يقبع مثلث برمودا سياسي خطر.

فإذا حضر الأردن مؤتمر البحرين ووافق على ما هو مطروح فيه خسر ورقة ضغطه الإقليمية ودوره، وخسر جزءًا كبيرًا من شرعيته السياسية داخليًا، على الأقل، باعتباره آخر المدافعين عن حل الدولتين والشرعية الدولية، مما سيضعه أمام سيل عرمرم من الغضب الشعبي وفقدان الثقة في المطلق.

أما إذا رفض المؤتمر ومخرجاته، فعلى الأغلب سينحسر الدعم الغربي والعربي الخليجي له، مما سيشكل عائقًا ماليًا مهولاً أمام تحديات الإصلاح المطلوب لاجتياز تحدي برامج الصندوق، وهو ما بدوره ينعكس على الاقتصاد بأزمة أعمق، وعلى الجبهة الداخلية سياسيًا أيضًا بالمزيد من الضغط.

في الحالتين، سواء قبل الأردن بمخرجات المؤتمر أو لم يقبل، فإن النتيجة في ضوء تحالفاته وعلاقاته الإقليمية والدولية القائمة اليوم تعني فقدان الدور الجيوسياسي في المنطقة، أو انحساره على أقل تقدير.

على الطرف الآخر، فإن التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني المحتل تحصيل حاصل؛ ودور الأردن كضامن إقليمي للسلام وكمدخل للكيان إلى التطبيع مع محيطه العربي يضمحل، ومعه قدرة الأردن على إملاء شروطه من أجل التطبيع.

بالضرورة، فإن الأردن يرى نفسه محصورًا بين خيارين، هما التمسك بالمبادرة العربية للسلام والشرعية الدولية، ولهذا ثمن باهظ كما أسلفنا، أو التخلي عنها ولهذا أيضًا ثمن باهظ.

طبعًا، لو لم يطرح الأردن عبر السعودية هذه المبادرة ولم تقدم الجامعة العربية تنازلات على الجبهة الفلسطينية، لما كنا في مواجهة هذه الخيارات الصعبة أصلًا. ولولا التبعية الأردنية والفساد واللعب على الهويات الفرعية عبر العقود لما كانت الجبهة الداخلية ساخنة إلى هذه الدرجة.

في المختصر، جنت على نفسها براقش، لكن هذا ليس الخلاصة.

ليس سرًا طبعًا أن الشارع مسلوخ عن الدولة، وأن المجالس التشريعية والرقابية الأردنية ليست ممثلة، ومن يظن عكس ذلك واهم. فما بين البنى السياسية الرافعة للمؤسسات العشائرية وتلاعب الدولة في هذه المؤسسات لصالحها والمال الانتخابي الأسود والفقر وتدني مستوى التعليم وانحسار روح الهوية الوطنية وغير ذلك من الإشكالات، لا يمكن أبدًا الافتراض أن البرلمان يمثل الشارع الأردني.

عليه، فالأردنيون ليسوا بالجزء الأكبر مسؤولين عن المأزق الأردني، لكنهم كالعادة، سيدفعون الثمن.

في ضوء ذلك، هل أمام الدولة خيارات؟ نعم، هنالك خيارات.

طالما أن الدور الإقليمي كلاعب استراتيجي في التحالف الغربي-العربي سيتلاشى في كل الحالات، لربما على الأردن أن يبحث له عن تحالف آخر، في الشرق مثلا، يعيد له مكانته، أو في أسوأ الحالات، يحفظ ماء وجهه السياسي أمام الشعب، حتى يستطيع الحفاظ على ثقة الناس والمراكمة عليها وصولا إلى وحدة اجتماعية سياسية غير مبنية على الخوف وإنما على الحس الوطني المشترك بوحدة المصير والتاريخ والهوية.

هل سيكون ذلك صعبًا؟ نعم، لكن رصيد الدولة مؤخرًا من حملات وعمل دؤوب ضد تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية كاف لحمل وحدة وطنية إلى السطح قادرة على تدعيم مشروع هوية ودولة وطنية أردني.

كما، وليس بالضرورة إذا قدم الأردن نفسه كحليف للقوى الإقليمية المنافسة أن يخسر سيادته.

بل العكس. فإن هذه القوى، لكونها قوى صاعدة، بالضرورة بحاجة إلى تحالفات قوية، لا تحالفات تبعية، لأنها وببساطة غير قادرة على حمل حلفائها إلى النهاية، لكنها تستطيع دعمهم ليصلوا إلى المستوى المطلوب من الاعتماد على الذات والاكتفاء والتنمية والتطور لمواجهة الضغوطات المقابلة ورفض الرضوخ.

مثلا، فإن إيران وتركيا، المتحالفات اليوم مرحليًا، كلتاهما بحاجة إلى المزيد من الحلفاء في المنطقة؛ وكما رأينا في سوريا الدولة وقطر، لم تتخل تركيا أو إيران عن حلفائهما، رغم صعوبة مواقفهما.

روسيا أيضًا صمدت في دفاعها عن سوريا الدولة.

لا أدافع عن أي منهم، لكن ضرورة وجودية تدفعهم إلى حماية حلفائهم، وانضمام الأردن إلى المعسكر قد يكون إضافة نوعية على هذا المحور، إلى درجة أنه قد يكون قادرًا على إملاء شروطه.

طبعًا ستكون هنالك مفاوصات، لكن الحقيقة التي يجب أن تدركها الدولة الأردنية، هي أن هذا المحور قد يكون بحاجة الأردن بقدر حاجة الأردن له، إن لم يكن أكثر، وبالنتيجة لا تلوى ذراعه.

تحقيق ذلك يحتاج إلى الكثير من المفاوضات التي تحتكم إلى حنكة مخضرمة لا يستبعد أن تكون لدى الدولة الأردنية القدرة عليها.

فهل يقبل الأردن ببراغماتية المهزوم ووهم محدودية الخيارات أم يصنع خياره؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد