ظهرت رئيسة وزراء نيوزيلندا وزعيمة حزب العمل، جاسيندا أرديرن، مؤخرًا في فيديو [1] تذكر فيه إنجازات حكومتها على مدار عامين في دقيقتين، وقام رواد مواقع التواصل الاجتماعي وعدة قنوات تلفزيونية بتداوله على نطاق واسع مشيدين بقدرة المرأة على تولي المناصب السياسية القيادية، ومعتبرين إياه رمزًا لالهام ثورة المرأة في انتفاضة لبنان وانتفاضات أخرى أو للسخرية من الحكومات «الذكورية» الحالية والسابقة في بلادهم. يثير هذا الفيديو السؤال حول ما الذي يمنع المرأة في بلادنا من المشاركة بشكل فاعل، كمًا ونوعًا، في الحياة السياسية خصوصًا في ظل إعجاب المجتمع بالحالات الغربية الناجحة.

وبالرغم من أن المرأة الأردنية لم تنل حق الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس النواب إلا في عام 1974، ولعضوية المجالس البلدية إلا عام 1982 [2]، إلا أن الدستور الأردني بعد ذلك ضمن للمرأة حقوقها السياسية المتمثلة في التصويت والترشيح وشغل المناصب العامة، والمشاركة في التنظيمات السياسية والنقابية والمهنية [3].

وحسب دراسة أجراها موقع الباروميتر العربي، واحدة من كل خمس نساء أردنيات مهتمة جدًا بالسياسة مقابل اثنين من كل خمسة رجال أردنيين، وهي نسبة جيدة نوعًا ما مقارنة باهتمام النساء بالسياسة في دول عربية أخرى مثل المغرب. كما وتشير الدراسة إلى أن 71% من النساء و62% من الرجال في الأردن يظنون أن المرأة العربية بإمكانها أن تصبح رئيسة للوزراء أو الدولة [4].

وحتى فيما يتعلق بانخفض الاهتمام بالسياسة في الفترة 2006 – 2016 فمعدل الانخفاض متساوٍ بنسبة 10% عند كلا الجنسين، لكن حينما يربط السؤال بين الأفضلية أو مقدار المنافسة بين الرجل والمرأة، فالشعب الأردني يظن أن الرجال أفضل في تولي القيادة السياسية من النساء بنسبة 74% [5]، وهذا التوجه قد يكون مصدره إما عدم ثقة الشارع الأردني بكفاءة القيادات السياسية النسوية الحالية أو السابقة، رغم قلتها، أو تغليب الصورة النمطية عن النساء بكونهن أكثر ملائمة لأمور أخرى لا تشمل السياسة بينها. وعليه فإن المرأة الأردنية يجب أن تُمنح مساحة أكبر للمشاركة السياسية حتى يكون الشعب صادقًا في حكمه عليها؛ لأن الحكم على أمر قبل منحه الفرصة في غالبه مغلوط ومبني على اعتقادات سائدة غير مجدية.

وقد تعدل قانون الانتخاب الأردني بحيث يتم ضمان وصول حد أدنى من النساء إلى مجلس النواب من خلال تأسيس لجنة الكوتا النسائية وتخصيص ثمانية مقاعد للنساء في المنافسة على المقاعد المخصصة للدوائر المختلفة [6]، لكن من أصل 130 نائبًا أردنيًا، هناك 20 امرأة فقط، ومن أصل 61 عضوًا في مجلس الأعيان، هناك سبع نساء فقط [7].

وتشكل نسبة مشاركة المرأة الأردنية في الحقائب الوزارية 6.6% [8]، وفيما يتعلق بحكومة الدكتور عمر الرزار الحالية، تراجعت مشاركة المرأة على مدار التعديلات الوزارية الأربعة منذ يونيو (حزيران) 2018 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، إذ بدأت الحكومة بسبع نساء في تشكيلها أصبحن أربعًا فقط في تعديلها الأخير [9].

وعلى الصعيد النوعي، حَفِل تاريخ الأردن بنساء شغلن وزارة الصناعة والتجارة والتموين (مها العلي، ريما خلف)، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي (سهير العلي، ماري قعوار)، ووزارة التنمية الاجتماعية (بسمة إسحاقات، إنعام المفتي، تمام الغول، خولة العرموطي، رويدا المعايطة، هالة لطوف)، ووزارة السياحة والآثار (لينا عناب، مها الخطيب، هيفاء أبو غزالة)، ووزارة الثقافة (أسمى خضر، لانا مامكغ)، ووزارة الطاقة والثروة المعدنية (هالة زواتي)، ووزارة النقل (لينا شبيب).

وشغلت وزارات أخرى تم تحديثها أو إغلاقها فيما بعد، مثل وزارة الشؤون البلدية والقروية (أمل الفرحان)، ووزارة تطوير القطاع العام (نسرين بركات، نانسي باكير، ياسرة غوشة)، ووزارة الإعلام (ليلى شرف)، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (مجد شويكة)، ووزارة شؤون المرأة (نادية هاشم).

لكن المرأة الأردنية لم تنل أبدًا منصب رئيس الوزراء أو وزير لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أو وزارة المالية، أو وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، أو وزارة الداخلية، أو وزارة العدل، أو وزارة الإدارة المحلية، أو وزارة الأشغال العامة والإسكان، أو وزارة المياه والري، أو وزارة العمل، أو وزارة الصحة، أو وزارة الزراعة، أو وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، أو وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، أو وزارة التربية والتعليم، أو وزارة البيئة، أو وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، أو وزارة الشباب [10] [11].

من ناحية أخرى، من أصل 49 حزب، يوجد ثلاث نساء فقط شغلن منصب قيادة الحزب; وهنّ منى أبو بكر (الحزب الوطني الأردني)، عبلة أبو علبة (حزب الشعب الديمقراطي)، رلى الحروب (حزب اردن اقوى) [12]، بل يوجد ما يفوق الخمسة أحزاب ليس للمرأة وجود أو تمثيل في هيئاتها التأسيسية أو مكاتبها السياسية «الجبهة التنفيذية» [13].

هذه المشاركات السياسية الضئيلة أو الرمزية للمرأة الأردنية في المناصب السابقة ترتفع قليلًا في أماكن أخرى من الحياة السياسية مثل النقابات بنسبة 22%، والبلديات بنسبة 32%، والمجالس المحلية بنسبة 15% [14] ربما لكون المشاركة في مجالات كهذه أقل حدة أو «سياسيّة» من سابقاتها.

وكل مناصب الحياة السياسية في السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، تتطلب الوعي الحقيقي والمستوى التعليمي الملائم للشخص المرشّح بغض النظر عن جنسه، وتستلزم المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، لا في النصوص والدساتير المكتوبة فقط، بل في الحياة العملية والفرص المتاحة وتهيئة الظروف، خصوصًا وأن نسبة التحاق الإناث في الجامعات الأردنية 51.8% مقابل 48.2% للذكور [15].

لجانب التأخر في منح المرأة حقوقها السياسية، فإن المناخ السياسي العام، وحل الاحزاب السياسية، وصعوبة الظروف الاقتصادية من بطالة وارتفاع أسعار، وكثرة أعباء المرأة بالتحديد المرأة العاملة التي تواجه أيضًا المعوقات الاجتماعية، ووجود الصورة المغلوطة عن دور الأحزاب والمشاركة السياسية التي تكونت بسبب بعض وسائل الإعلام وسببت عدم ثقة الشارع بالوجوه السياسية على اختلافها [16]، ونظرة المجتمع بشكل سلبي تجاه قدرات المرأة وما بإمكانها تحقيقه، جميعها أنتج تمثيلًا نسويًا سياسيًا متواضعًا.

إن وجود المرأة كجزء من المنظومة السياسية للأردن لا ينبثق فقط من دعم فكرة المساواة بين الجنسين أو تحقيق مطالب المؤسسات المدنية ومنظمات حقوق المرأة، بل لأن تجاهل الأمر وعدم اتخاذ خطوات جادة وغير شكلية لتحقيقه، قبل أن يدعم المرأة المتعلمة والقيادية والسياسية لتنال حقها، فهو يدعم الدولة بحد ذاتها في تمثيل متوازن لأفراد المجتمع حسب كفاءاتهم، رغم أن المقللين من كفاءة المرأة والمعترضين على مشاركتها يدركون كم هي كثيرة الوجوه الذكورية غير الجديرة لا عمليًا ولا علميًا بمواقعها السياسية التي من المفترض أنها موجودة لخدمة الوطن وأبنائه أولًا وأخيرًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد