من الصعب الاستمرار في الحياة دون أهداف. فالأهداف هي كل شيء يرشدك نحو مثالية عليا خاصة بك، تساعدك على القيام في كل صباح دون كلل. نحتاج الأهداف لأننا دون أهداف نتجه إلى عدم، إلى لا شيء وإلى إيمان باللاشيء، وبعبثية الحياة وعبثية وجودنا. لكن رضينا أم لم نرضَ فنحن بالفعل «نعيش»، ونتنفس ونشعر، فلعل الحياة أكثر الأمور «صدقًا» وواقعية في الحياة! يؤكد الخبير النفسي الكندي «جوردن بيترسن» أهمية صنع الأهداف وتحديدها في حياة البشر، ويربط غيابها بعقد ومشكلات نفسية عديدة، أهمها القلق النفسي.

«بيترسن» من الشخصيات التي اكتسبت شهرة في نطاقات واسعة حول العالم، وتروَّج له بعض المحاضرات المرئية باللغة العربية تجوْل اليوتيوب«يوتيوب» و«فيسبوك». يحاول «بيترسن» تعليم الحكمة wisdom، أو العلم بطرق مختلفة قليلًا، فهو يحاول إحياء النصوص التاريخية ومعرفة الذين سبقونا في التاريخ وفهمهم والاستفادة منهم في عصرنا الحالي، الأمر الذي تركه كثير من علماء عصرنا الحالي امتدادًا لتقليد علماني إلحادي جاحد لكل ما سبق من قصص وأمثال، غثه وسمينه، وبناء المعرفة من جديد دون وجود ثوابت مسبقة. يعتقد أن بإمكاننا العثور بعض الإيضاحات لكثير من مشكلاتنا المعاصرة التي غلب عليها الغموض والاستعصاء.

في محاضرة مسجلة له أتيحت للجمهور على منصة «يوتيوب»، يتحدث عن الكلبيّة، أو cynicism. تصوِّر هذه الترجمة لنا سلوكيات وتفاعل الشخص «الكلبيّ» مع العالم ومع من حوله؛ فهي تشبيه للكلاب الشاردة التي تأكل وتشرب وتقضي حاجتها دون اكتراث، أو انفعال مع أي شيء في العالم؛ فيرونه أنه عالم «أبله» وفوضوي وناقص، وأنه لعنة نزلت علينا. لا ينكر «بيترسن» أيًّا من هذا. إنما يقول «نعم نحن نعيش في عالم تعيس، وقد ورثت حياة تعيسة، وستبقى تعيسًا ما لم تحاول تغيير ذلك ما استطعت.»

قد يظهر لنا هذا الخبير النفسي بمظهر ملقي خطابات التحفيز، التي تتكلف في أسلوبها وفي تشجيعها للناس برأيي. لكن «بيترسن» لم يقصد في الأصل أن يحفز الناس لمجرد تحفيزهم، إنما يجيب عن تساؤلات الشباب (خاصةً)، ويسعى لإعطائهم الجواب لأسئلتهم، والعلاج لعقدهم ومشكلاتهم. وكل هذا يحدث بحِرَفية علمية فريدة من نوعها. ونستطيع أن ندرك خطورة التفكير السينيكيّ ودوره في إخراج الشباب الذين هم أساس التغيير، ومحور اهتمام «الدولة»، وعنصر مقوم في المجتمع. ونرى الكلبيين، وأيضًا المستائين resentful تقريبًا كل يوم في حياتنا. وقد نلحط ذلك أو قد لا نلحظه (وهذا يعتمد على مدى معرفتنا بهذا المذهب وصفاته)، إلا أنه مسيطر على كثير من الشباب في العالم وعالمنا العربي بالذات، حيث قلة الفرص، ورواج البطالة، وثقافة الاستسلام والستكانة «والتجاوز» المجتمعية، وفقدان الأمل بالتغيير.

يحكي «بيترسن» في محاضرته قصة قابيل وهابيل. ويذكر لماذا تُقُبِّل من هابيل ولم يتُقُبِّل من قابيل. ويلقي الضوء على سورة معينة من الإنجيل: If thou doest well, shalt thou not be accepted? إن فعلتَ خيرًا، لمَ لا يتقبل منك؟ كان هذا السؤال الوجودي الذي يلامس أساس المشكلة، وكان هذا منطلق «بيترسن» في شرح مشكلة الكلبيّين. الحياة تعيسة، وبها مآسٍ، لكن لم لا تغيِّر ما يمكنك تغييره؟ طريقة الإجابة عن هذا السؤال تفصل بين الكلبي وغير الكلبي؛ المشكَل والسليم من ناحية معينة. يُري «بيترسن» المشاهدين رسمًا لـ Mariotto Albertinelli يعود للقرن السادس عشر تقريبًا، يُظهر استياء قابيل في مقابل شكران وحمد هابيل ربه على ما أُعطي، ولو كان شرًّا. ولو كان به شر معين، فأنت لم تورث شرًّا مطلقًا تمامًا، «وأنه يوجد مساحة للشكران» في كل الأحوال في حياتك.

قد نكون في وسط غير ملائم، ولنا أسلاف غير سويّين بالضرورة، وقد نرث بعض ذلك عنهم. لكن دون وجود علل، ما الهدف من الحياة؟ لو كان كل شيء كاملًا، لا يشوبه أي شيء، أين التحدي؟ هذا كما يعتقد «بيترسن»، هو جوهر الوجود. هو خير وشر، هو نواقص وعيوب، وحياة غير متكاملة، لكن يمكنك تغيير ما يمكنك تغييره. يُسمَح لك أن تختار نموذجك الخاص من الخير، ومن الشر. لا يُفرَض عليك أي مفهوم معين لهما. (وهذا برأيي نزعة من نزعات الحضارة الغربية الحديثة، التي تتمتع بالمرونة، ويصاحب هذا الغموض أحيانًا)، ولكنك ستطور مفهومك الخاص، وتتبنى نهجًا معينًا حتى تصل إلى ما رميت إليه. ستنظر كل يوم إلى أمور لا تعجبك في حياتك، في عملك، في علاقتك الزوجية، في علاقتك بأصدقائك، ثم ستحاول الاقتراب من هذه الحقول المجهولة والمظلمة وغير المستكشفة، وتواجهها ثم تعالجها. ثم إنه قد يكون هناك تفاوت في المواهب والاستعدادات الذهنية، وفي القدرات العقلية، وفي الطبقات الاجتماعية، لكنك قد تفيد من هذه الفروقات لتحقق عدالتك، وصالحك الخاص وصالح المجتمع.

يذكر قصة واقعية حصلت معه حين قابل أحد معجبيه من العاملين في مطعم ما من النادلين. وأظهر له إعجابه «ببيترسن» وقال إنه يتابعه وأنه ترفَّع رتبتيْن منذ بدء متابعة محاضراته. يقول بيترسن إنه يمكنك أن تكون ذا وظيفة متدنية (حسب معاييرك أنت) لكنك تحدِث أثرًا كبيرًا مستفيدًا من تلك البيئة الغنية. وقد تكون ذا وظيفة رفيعة مرموقة، فتقلِّب ما حولك إلى جحيم مستعر. لا يهم أين تكون، بإمكانك تغيير هذا العالم. وبإمكانك رفض هذا ولن تزداد حياتك إلا سوءًا.

رابط المحاضرة الإلكتروني من هنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد