الأزمة الاقتصادية بين الارتباك والتوجيه

ليس سرًّا أن الأردن يمر بأزمة اقتصادية صعبة، تضخمها جملة من العوامل الإقليمية والداخلية، التي لا تدع محلًّا للشك في أن الدولة تواجه ظروفًا وضغوطًا يرثى لها.

لكن، أيعقل أن تفوتها وكل خبرائها ومستشاريها ومجالسها ألف- باء الاقتصاد؟

مثال على ذلك، مسألة دعم الخبز. الخبز سلعة أساسية، ويفترض ألا يتأثر الطلب عليها كثيرًا بتغيير سعرها. وكان من المتوقع أن رفع الدعم سيخفض التكاليف على الخزينة، والمفروض أن تكون كل نواحي قرار مفصلي لحياة الأردنيين كهذا مدروسة بتفاصيلها. إلا أن نائب رئيس الوزراء، رجائي المعشر، كشف مؤخرًا أن رفع الدعم لم يكن مجديًا اقتصاديًّا، بل على العكس تمامًا، فقد كان مكلفًا.

وبوجود بدائل عن السجائر، كيف افترض مختصو الدولة الماليون والاقتصاديون أن رفع الضرائب عليها لن يؤثر في طلبها من قبل الأردنيين؟ وكيف لا يفهمون أن ارتفاع الأسعار فوق حد المعقول يوسع رقعة السوق غير المنتظمة، وبالتالي يرتفع الفاقد المالي والضريبي من التعاملات التجارية والاقتصادية غير المرصودة والتهرب الضريبي؟

ليس مقنعًا أن خريجي بعض أعتى الجامعات في العالم، وأصحاب الخبرات الممتدة عقودًا طويلة قد أخطؤوا حساب بعض المعادلات الاقتصادية الأساسية، مثل معادلات العرض والطلب، والتوازن، ومطاطية السلع.

كما ومن البديهي عند الكلام عن أي سوق حر أن خفض الضرائب يحرّك السوق، وخفض الفوائد يعزز القوة الشرائية والتجارية، إذا حدث ذلك بحذر طبعًا؛ حتى لا تفقد العملة المحلية جاذبيتها.

كل ذلك بديهي لكل من تخصص في إدارة الأعمال، الإدارة المالية، الاقتصاد أو غيره من التخصصات الاقتصادية وكليات التجارة والأعمال في الجامعات الأردنية أو الدولية.

علاوة على ذلك، فالأصل طبعًا أن يكون الطاقم الاقتصادي الحكومي في مستوياته العليا من ذوي الاختصاص في مجالات الاقتصاد الكلي والتنموي، لا المالي والخدمي و«البيزنس». لكن حتى هؤلاء لا تفوتهم أساسيات السوق ومعادلاته، المتضمنة في المتطلبات الجامعية الأولى لأي تخصصي اقتصادي أو تجاري.

فمن الصعب جدًّا أن نصدق أن هؤلاء الجهابذة، وهم المسؤولون اليوم عن مصير بلادنا، ببساطة أخطؤوا بصدد هكذا مسائل بديهية. وليس هنالك تفسير سوى أنهم مسيرون بأجندات سياسية كبرى، لا علاقة لها بالاقتصاد الوطني أو أزمته.

أولم يختبروا أطروحاتهم الاقتصادية رياضيًّا بالورقة والقلم قبل أن ييتصرفوا بأعناق وأرزاق الناس؟

إما ذلك وإما أن طواقم الدولة الاقتصادية والوزارية ليسوا إلا ثلة من الأغبياء والمكابرين، وهذا ما لا يرِد إلى الذهن عندما نتكلم عن وزراء معينين، يفترض أن تعيينهم كان مُخرج سلسلة من الحوارات، شارك فيها أحد أعتى عقول الاقتصاد السياسي والتخطيط الاستراتيجي أردنيًّا، وعلى مستوى العالم حتى، الدكتور عمر الرزاز. وهو أحد أهم رجال البنك الدولي سابقًا.

فالجامعي في سنته الأولى في كليات الأعمال والاقتصاد، بتخصصاتها كلها، يعرف هذه المعادلات، أو على الأقل قد سمع عنها ويدرك أهميتها.

إذن فالمسألة سياسية، وليست ببساطة مسألة غباء أو أخطاء.

في المقابل، تدعي الدولة أنها متجهة نحو السوق الحر، بينما ترفع الضرائب وتفرض رسومًا جديدة على قطاعات مركزية في منظومة السوق الحر والعالمي، مثل قطاعات التجارة الإلكترونية وغيرها.

فمن جهة، فإن ذلك قد يخفف من حدة التنافس بين هذه القطاعات وتلك التقليدية، التي لم تستطع بعد تجاوز تحديات السوق الإلكتروني المعولم الجديد، لكنه من جهة أخرى يعد تدخلًا سافرًا في السوق، إن كان هذا الهدف، ما ينفي عن السوق الأردنية صفة الحر.

والدولة من ناحيتها ليست معنية بإدارة مركزية للسوق، ولا بتنمية القطاع العام وتطويره بما يتناسب ومعطيات الاقتصاد المركزي، ومتطلبات التحرر الاقتصادي والسيادي، والانتاج الوطني وحمايته، وهذا واضح من الإعفاءات التي تقدمها للواردات الأمريكية ضمن اتفاقة التجارة الحرة، وغيرها من الواردات.

تحرر الدولة السوق للمستثمرين، وتغريهم بامتيازات ما بعدها امتيازات، بينما يغرق العبء الضريبي الاقتصاد الوطني الصغير والمتوسط، وهو عصب السوق، في بحر التنافس العاتي.

الدولة معنية بالناتج النهائي؛ وهو إجمالي المنتج الوطني، وإن أتى تحقيقه على الاقتصاد الوطني الحقيقي ودمر بناءه والمجتمع الذي يعتمد عليه.

أضف إلى ذلك أن سياسات الخصخصة على مدى عقود، فتتت مصادر دخل الدولة. ورغم أن الهدف من كل ذلك كان خفض العبء والتكاليف على القطاع العام، وسداد المديونيات، والخروج من مأزق الدولة المالي في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم وأوائل تسعينياته، فإن ذلك لم يجد نفعًا، والدولة ما تزال تضغط على المواطن لدفع فواتير فسادها وفشلها الاقتصادي الفظيع في الثلاثين عامًا الماضية هذه.

ناهيك طبعًا عن الانهيار في منظومة التعليم والخدمات العامة، ونخبوية التعليم الجيد في بلادنا، وانعكاس ذلك على المجتمع وعلى الاقتصاد، بشقيه العام والخاص.

أيغيب فعلًا كل ذلك عن أذهان المسؤولين؟

على الدولة أن تحدد مسارها الاقتصادي؛ فتختار على الأقل إما منظومة السوق الحر وإما المركزي.

إما أن تتخلى عن الرعوية، وتطلق العنان للاقتصاد التنافسي الحر، وتحد من أثر العبء الضريبي على القطاع الخاص الوطني والمواطنين، وتنهض بالتعليم الآن بما يتماشى ومتطلبات التنافس في سوق العمل؛ حتى لا ينفجر المجتمع الأردني، وإما أن تتبنى سياسات الإدارة المركزية للاقتصاد، فتدفع نحو التصنيع والإنتاج التقليدي لاستيعاب العمالة ذات المهارات المحدودة، أيضًا حتى لا ينفجر المجتمع، وتعمل أيضًا على حماية المنتج الوطني.

وطالما أنهم لا يريدون الدخول في السجال الأيديولوجي، وهو الأهم والمحدد الرئيس لمشروع الدولة وأهدافها، فعلى الدولة على الأقل أن تختار بين خيارين لا يستويان سياسيًّا.

فاقتصاد حر مفتوح على العالم بالشكل الذي تسعى إليه الدولة لا يحقق للأردن سيادة ولا أمنًا اقتصاديًّا ولا غذائيًّا ولا طاقيًّا ولا غيره، في هذه المرحلة. بل سينعكس على المجتمع بشتى أنواع الآفات، وباشتداد الصراع الطبقي، والمزيد من الانحسار والتآكل في الطبقة الوسطى، وهي كما كرر الكثير من المفكرين والمنظرين الأردنيين، ماكينة التحضر والاقتصاد، على حد سواء.

إن الانفتاح المفاجئ على السوق العالمي يحول السوق الوطني إلى سوق استهلاكي (Drop-off Market) تستهدفه الاقتصادات الكبيرة لاستيعاب الفائض في إنتاجها وتضخيم مداخيلها، بعد أن أشبعت أسواقها، بينما تتآكل القطاعات الوطنية في بلادنا، وهو الحاصل اليوم.

الاقتصاد الأردني لا يخدم عموم الأردنيين بأهدافه، وهذا ليس جديدًا. لكن الجديد هو هذا التوهان غير المبرر وغير المفهوم في أي سياق سوى ذلك السياسي، والذي يعني أن الاقتصاد الأردني موجه بأهداف سياسية بامتياز. بل إن الاقتصاد الأردني سياسي بامتياز.

الواضح فقط أن هنالك امتيازات للنخبة في قطاعات خاصة معينة، بينما يضيق الخناق على أعناق الأردنيين من شباب طموحين وأصحاب مصالح وعاملين، إلا ما ندر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد