“إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ” صدق الله العظيم

***

نيكولو ميكافيللي، مفكر وفيلسوف إيطالي، عاش في القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، كان موظفـًا حكوميًّا في حكومة إيطالية في عهد ميديشي، عندما سقط حكم ميديشي تعامل ميكافيللي مع
السلطة الجديدة تعاونـًا شديدًا حتى ترقى الدرجات والمناصب.

***

“لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ، إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ” صدق الله العظيم

***

كان ميكافيللي نبيهًا ذكيًّا ومن عائلة نبيلة، ومتمرسًا في أمور الحكم والسياسة، ويعتبر ممن أسسوا منهجًا استقصائيًّا للتاريخ ساهم بعد ذلك في عصر النهضة الأوروبية، وكانت أفكاره مفاتيح للفكر السياسي المعاصر الذي أسس له من بعده الفلاسفة والمنظرون السياسيون فولتير ولوك ورسو. اختاره الباحث مايكل هارت في كتابه أكثر مائة شخصية أثرت على العالم.

***

“قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” صدق الله العظيم

***

عاد من جديد آل ميديشي للحكم، وما لبثوا أن صنفوا ميكافيللي خائنـًا ومتآمرًا ومتواطئًا مع الحكم السابق مما دفعه إلى أن يعتزل الحياة العامة ويجلس في مزرعة صغيرة. ميكافيللي باحث قارئ ذو نزعة مادية للأمور وذو منهج تغليب المصلحة على كل شيء. ألف ميكافيللي كتابه “الأمير” وهو أشهر كتبه، كان الغرض من تأليف الكتاب هو استمالة الحاكم الجديد عن طريق تقديم مجموعة من النصائح التي استقرأها من التاريخ الإنساني، والتي يرى أن ما من حاكم اتبعها إلا وقد سيطر على شعبه ودان له الجميع.

***

“من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك”. ميكافيللي

***

نظرة ميكافيللي المادية للأمور ليست الطرح الوحيد، فهناك الطرح الديني الأخلاقي الذي يستند لثلاثة أسس: أن هناك خالق (منطق السببية)، وأن هذا الخالق لم يخلق شيئـًا عبثـًا (الغائية)، وأن الخالق ارتضى لخلقه مجموعة من القيم الأخلاقية التي ينبغي أن يحافظوا عليها لصلاح دنياهم، وكذلك لمفازتهم عند الحساب أمام خالقهم. القيم والأخلاق التي تصنف على أنها جوانب روحية هي مقدمة إذن عند الدينيين،

لا تكفي النظرة المادية المبنية على المصلحة لمن آمن بنظرية الوجود الدينية لاتخاذ القرارات الصائبة، فالصواب عند ميكافيللي والمدرسة المادية هو تحقيق المصلحة، أما المدرسة الدينية فالصواب هو عدم كسر المبدأ.

***

“الغاية تبرر الوسيلة”. ميكافيللي

***

قصة سيدنا يوسف عليه السلام تعتبر من أكثر السور القرآنية التي تحوي تماسكـًا وارتباطـًا موضوعيًّا في أغلب آياتها، وتتكلم القصة عن رحلة سيدنا يوسف عليه السلام في أحداث قامت قبل الميلاد ورواها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنـًا من الزمان، رحلة سيدنا يوسف بدأت بمعاناة معاداة إخوته له، ومرت بمعاناة تحوله لعبد يباع ويشترى، فابتلاء محاولة أن يفتتن من امرأة عزيز مصر، ثم ابتلاء سجنه، ثم فرج من الله بأن يتولى منصبًا في الدولة المصرية حينها (يقول بعض المؤرخين إنها لم تكن الدولة المصرية بل كانت دولة الهكسوس)،

وتنتهي القصة بأن يمكر سيدنا يوسف على إخوته قصاصًا مما فعلوه ثم يسامحهم. القصة كلها تدور حول قيمة الثبات الأخلاقي على المبادئ والقيم مقابل الصراع المادي الذي خاضه يوسف عليه السلام أمام إخوته تارة وأمام امرأة العزيز تارةً أخرى.

***

“اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ” صدق الله العظيم

***

الطريقة التي صاغ بها إخوة يوسف عليه السلام منطق تبرير فعلتهم، قتل يوسف عليه السلام، كانت من أقدم الانتصارات التاريخية لمبدأ ميكافيللي. فالغاية هنا نبيلة، محبة والدهم والنية بالعودة للصلاح من جديد بعد تلك الفعلة، فلماذا لا نقتل يوسف ونصل لما نريد؟ إخوة يوسف لم يبتدعوا وإنما سقطوا في تبرير أخلاقي لأخطائهم كما يقع كثير من بني آدم حتى الآن في تلك الخطيئة.

وهو إحدى الاختبارات التي نمر بها في الدنيا ليمتحن الله ثباتنا وإيماننا، وهو اختبار مر عليه سيدنا يوسف ونجح فيه حتى دانت له الدنيا. نلجأ دومًا لإحاطة الحلقة الأخلاقية الضعيفة بحلقات أكثر أخلاقية حيث تبدو المحصلة في النهاية محصلة أخلاقية، الإنسان يميل إلي خداع نفسه حتى إن قرر ارتكاب جريمة، المسكنات الأخلاقية تكون مصاحبة لأي تنازل أخلاقي كي يتمكن من الاستمرار.

***

“ليس أفيد للمرء من ظهوره بمظهر الفضيلة”. ميكافيللي

***

ندعي الفضيلة ونسقط في تبرير الخطأ تحت مسمى سمو الغاية، كم من دماء بررناها دون وجه حق تحت مسمى الحفاظ على الدولة؟ وكم من مسجون ظلمًا لم نلتفت له تحت مسمى الحفاظ على هيبة الدولة؟ وكم من تنازل أخلاقي اتبعنا فيه نهج ميكافيللي وادعاء فضيلة إخوة يوسف. كلما أخطأنا خرجت عبارات رنانة تسكن ضمائرنا مغلفة بالدين – مسخرًا من علماء السلطان- حتى نسقط في الميكافيللية التي تضمن للسلطان الحكم والقوة والنفوذ. كم من دول وأنظمة وأيديولوجيات نشأت وما زالت تنشأ بمرجعية ميكافيللية. وعلى الصعيد الفردي، كم من تنازل أخلاقي بررناه لتحقيق مصلحة دينيوية وزيناه بغايات نبيلة.

***

“وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” صدق الله العظيم

***

أقف مبهورًا أمام الآية السابقة فالله سبحانه وتعالى لم يذكر أن الأمة ستهدي “إلى الحق” ولكن قال ستهدي “بالحق”؛ حيث قطع الله الطريق عن أية محاولة لتبرير مبدأ ميكافيللي بغية الوصول إلى حق مزعوم. فالهداية إلى الحق لا تكون إلا بالحق وعبر الطرق والمقاصد الشرعية التي تتوافق مع النظرية الدينية للوجود، الهداية إلي الحق تكون بالثبات عليه – وإن هُزم أهله- لا بتبرير خرقه.

***

“لا يجدي أن يكون المرء شريفًا دائمًا”. ميكافيللي

***

“قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” صدق الله العظيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد