«أرسل لي الأفلام والمجلات التي تظهر شعبي كما هم حقًا، لقد سئمت من رؤية الحمقى وهم يتظاهرون بأنهم صوماليون» مريم من فيلم The Pirates of Somalia.

القراصنة وحركة الشباب من القضايا التي أثارت اهتمام الصحف والمؤسسات الإعلامية الغربية، فوضعوا ذلك في مقدمة أجنداتهم الصحفية والسينمائية، لكي يقدموا للعالم المتحضر حسب مخيلة الرجل الأبيض، ما يحدث في عالم الغرائب.

كابتن فيلبس وفيلم Eye in the sky عين في السماء وهذا الفيلم «القراصنة» المستوحى من كتاب يحمل العنوان نفسه للكاتب الكندي جاي بهادور، والذي زار مدينة غروى ومن بعدها مدينة «أيل» معقل القراصنة آنذاك، يوضح نيته بتقديم القصة الحقيقية التي تتجاهلها المؤسسات السياسية الغربية.

هذا التعاطف السليم والإنساني لا يخلو من مجابهة بين الشرق والغرب، ينطلق بها جاي بهادور لدراسة القرصنة في الصومال، ويصل التعاطف إلى أن يطلب من المؤسسات العسكرية والسياسية الغربية أن ينظروا إلى الصومال بطريقة مختلفة ليس كأنها ضد الغرب، بل إنها تمثلنا عندما كنا صغارًا. استوقفتني عبارة «عندما كنا صغارًا» هل يقصد أن هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها الصومال، هي بالفعل جزء من التاريخ الخطي الأوروبي، الذي من المفروض أن تمر بها جميع الأمم الأخرى، وعلى هذا الأساس يكون تاريخ الغرب هو التاريخ البشري والأمم الأخرى عليها أن تمر بالظروف التاريخية نفسها.  

علاوة على ذلك فإن العمل الصحفي له علاقة وطيدة بالعمل الاستشراقي، حيث تلاحظ أن جميع الصحفيين البيض الذين يزورون الشرق، يأتون إلينا وفي مخيلتهم فكرة التفوق الأوروبي، وبعبارة إدوارد سعيد فإن غاية الاستشراق الصحفي والأدبي على سواء هو شرقنة الشرق، بما يعني إعادة أشكلة الشرق بما يناسب فرضياتهم التاريخية والسياسية.

الصحافة والاستشراق

ينتشر الصحفيون الغربيون في الشرق باعتبارهم صحفيين مناضلين لنقل الأخبار الغريبة التي تحدث دومًا في الشرق، وفي بعض الأحيان ليكتسب الصحفي الغربي الشهرة، فعليه أن يذهب إلى الشرق، عالم الغرائب كما عند مخيلة الصحفي والمستشرق الغربي.

ومعظم الأعمال الصحفية التي تحاول أن تكتشف الشرق هي في الحقيقة نوع من المعرفة السريعة كما وصفها حميد دباشي، على غرار الوجبات السريعة مع أكواب بلاستيكية وسكاكين بلاستيكية وشوكات بلاستيكية وفائدة غذائية سيئة، وإشباع كاذب.

إن من البواعث المباشرة في تأليف كتاب الاستشراق كما نفهمها في مقدمة الكتاب هي عبارة كتبها صحفي فرنسي يصف فيها الوسط التجاري في بيروت إبان الحرب الأهلية، ويقول «لقد بدت ذات يوم كأنها تنتمي إلى شرق شاتوبريان ونرفال».

إن العمل الصحفي الذي يحاول أن يدرس الشرق لا يمكن له أن ينتج معرفة خارج متخيلاته التي تأثرت بأعمال المستشرقين والتي بطبيعتها كما يقول إدوارد سعيد «رؤيا سياسية للواقع، رؤيا روج المستشرقون ليفرقوا بين المألوف «وهو الغرب» وبين الغريب، التي تمثلها الشرق». وحسب الاستشراق الصحفي كما عند الاستشراق الأدبي فإن الشرق كنز غريب وعليهم أن يكتشفوا أسرار هذا الكنز، مثل علي بابا وعالم الغرائب.

شاهدت الفيلم الأمريكي المستوحى من قصة الكاتب الصحفي الكندي جاي بهادور والذي كتب كتابه الشهير القراصنة في الصومال The Pirates of Somalia، والفيلم هو جزء من الأعمال السينمائية التي تحاول أن تشرح للغربيين ما يحدث في عالم الآخر، العالم غير الأوروبي والأمريكي.

وجاي بهادور كما في الفيلم هو شاب يعشق العمل الصحفي حيث يلتقي صدفةً بصحفي مخضرم ويخبره أنه ينوي دخول كلية الصحافة في جامعة هارفارد، لكن الصحفي الآخر يخبره أن هذا هراء، فعليه أن يعمل شيئًا مثيرًا، مثل أن يذهب إلى الصومال! هذه النصيحة ليست عفوية كما تبدو في لحظتها الأولى بل هي خطة صحفية وأدبية اعتمدتها المؤسسات الغربية التي تنتج المعرفة، لأن فكرة المغامرة المشهورة في وسط صناعة الأفلام والقصص هي نتيجة عن المعتقدات الغربية تجاه الشرق، والغريب أن مغامرات الرجل الأبيض لن تكون في روما أو فيينا أو أي مدن أخرى أوروبية بل دائمًا تكون في الشرق.

يقسم إدوارد سعيد بنيات الاستشراق إلى أربع بنيات أساسية تشكل الرؤية الاستشراقية، العنصر الأول هو التوسع، حيث يرغب الغرب بنيته التوسعية دراسة الشرق كمستعمرات، والعنصر الثاني هي المجابهة التاريخية بين الحضارات، حيث اعتاد الباحث والصحفي الغربي اعتبار الشرق غريبًا وغير مألوف ومتخلفًا، لأنه يقارنها بالبيئة الغربية التي يعتبرها المعيار الأساسي للمألوف والتقدم، والعنصر الثالث والمهم هو بنية التعاطف، حيث يستقصي الصحفي الغربي القصص المروعة والقضايا الإنسانية في الشرق، ورغم أنه عمل إنساني لا ننكره، لكنه لا يخلو من مجابهة وعلاقة تفوق، فإنه عندما يستقصي هذه القضايا غير الإنسانية، فإنه ينطلق بأسس قبلية (قبل)، تؤمن بتفوق الحضارة الغربية. والعنصر الرابع هو التصنيف وهو حسب إدوارد سعيد نزوع تصنيف الطبيعة والإنسان بحسب العرق والجنس والأصل واللون والمزاج والشخصية.   

التمثيل الذاتي وصناعة السينما

إن دعوة سعيد وسبيفاك في حق الشعوب ليس في الحكم الذاتي وحسب، بل بالتمثيل الذاتي بشكل مباشر، لأن الشعوب الشرقية ليسوا بحاجة إلى من يمثلهم. وأثارت سبيفاك عبر طرحها السؤال المقلق «هل بمقدور التابع أن يتكلم؟ في عموم قضية التمثيل، حيث تنتقد غياتري سبيفاك التمثيل النيابي الذي يحاول تنميط الشعوب الأخرى وتعميمها بشكل مثير للشفقة. وما لم تلاحظه سبيفاك ولاحظها دباشي أخيرًا هي علاقة التمثيل باللغة، وهو بالفعل حلقة مغلقة وضعها الغرب شرطًا للتمثيل. بمعنى أن التمثيل الذاتي سيكون مرتبطًا باللغة الإنجليزية، حيث إن شرط التمثيل هو النطق الجيد باللغة الإنجليزية، وبالتالي فإن الصحافة الغربية لا تعتمد كثيرًا إلا بالنخب التي تجيد اللغة الإنجليزية، وعلى هذا الأساس يبقى الصحفي الغربي الناطق باللغة الإنجليزية في المقدمة، وهو الذي يمثل الآخرين الذين لا يجيدون اللغة.

كانت مؤسسة هوليوود تعتمد على هذا النهج في صناعة السينما، ويبدو واضحًا في فيلم Black Hawk Down، ومريم تلك السمراء الجميلة في فيلم The Pirates of Somalia تشتكي من هذه النقطة، وأدركت هوليوود هذه المعضلة، فجمعت نخبًا صومالية مثل برخد عبدي وغيره من الصوماليين ليمثلوا الصوماليين، في هذا الفيلم وأيضًا في فيلم كابتن فيلبس وفيلم عين في السماء، الذي يضع الرجل الأبيض على أساس أنه يمثل التحضر والآخرون هم الهمج.

إن استدراك هوليوود ليس موقفًا أدبيًا أو إنسانيًا كما اعتقد، بل هو موقف اقتصادي وتقني، وذلك لكي يظهر الفيلم متناسقًا أكثر وأكثر واقعيةً، فعليهم أن يقدموا الآخرين ليمثلوا ذواتهم، وذلك مثل صناعة الأزياء التي باتت تدعم الآن الفتاة المحجبة، وذلك لأن الحجاب لم يعد اعتقادًا دينيًا وحسب، بل أصبح عنصرًا اقتصاديًا، فعليهم أن يستهدفوا المسلمات باعتبارهن مستهلكات، وهذه العقلية التي تحول القيم إلى مواد سائلة حسب مقولة زيغمونت باومان تسود في هوليوود والمؤسسات الترفيهية في الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد