يحدث أن يأتي القدر الغادر عادة متوازنًا رحيمًا، فينعم عليك بمقعد ثمين في معهد الإعلام ويبعدك عن الحضن الدافئ للعائلة كيلومترات عديدة. مراهق أغرقته الهورمونات حماسًا لابد له من هذه النكبات؛ ليعلم أنه لن يعيش دائمًا في جلباب أبيه، وأن زمن الفطام من حنان الأم قد حان. لابأس فارس السلطة الرابعة في المستقبل لا يبكي على الأطلال، لابد له من أن ينغمس في يوتوبيا ليتناسى تلك الغربة في أحضان الوطن المقبل عليها.

تشكر المهنئين لك بالولوج لهذا المعهد النخبوي  بفرح جنوني، تحذر الشيطان الذي يزورك أحيانًا موسوسًا وتعاهد ربك أن تصون أخلاقيات المهنة، وأن لا تكون أبدًا صحافيًا مأجورًا أو مرتزقًا. تعد أصدقاءك المتقين منهم والسكارى، بأن تكون صوتهم الذي لا يخفت، وتقسم لأحدهم ممازحًا أنك ستعد تقريرًا خاصًا عن قصته البائسة التي لا تؤثر في نفس إلا نفسه، وتطمئن كتاكيت العائلة أنهم سيرونك ذات يوم متأنقًا واثقًا على شاشة التلفاز.

لأن الأحلام بلا عمل تشبه النزوة الزائلة، تغادر هذه اليوتوبيا على أمل أن تغادرك، تودع الأهل وأرضًا شهدت على مهد شبابك، تحلق من جنوب البلد إلى مركزه مناشدًا نور علم الأعلام. هذه المرة لن تعرف بنفسك وتمنح زهرة حمراء لزميلك في القسم ليفعل نفس الشيء كما كنا نصنع ببراءة عندما كنا براعم. مع أولى المحاضرات يخبرك أستاذ مادة التواصل أن أحد خريجي المعهد كان أول ضحايا الصحافة في حرب غاشمة مع مطلع التسعينات، تروي لك أستاذة بالوعة وشجن أن رفيقة لها في الميدان الإعلامي كانت تتقاذفها أمواج القدر بين مراكز معالجة السرطان واستوديوهات الإذاعة، يحدثك محاضر راكم سنوات من الخبرة في الصحافة عن يسري فودة وحفيظ دراجي وكبار القوم في الإعلام فتتملكك رعشة ثقل المسؤولية المقبل عليها، وتقتلك لهفة الأضواء والشهرة. يحدث أيضًا أن تدردش مع أحد العارفين بتاريخ الصحافة، فيقلب الصفحات الدامية لتاريخها ويحدثك عن قيادي يساري ونقابي مات دفاعًا عن جرأة القلم. بعد الإصغاء لكل هذه الشهادات تجري وديان حامية بداخلك، وللوهلة الأولى تدرك لماذا سميت الصحافة بمهنة المتاعب، التسمية ليست لمحاباة ولا إرضاء لجناس لغوي، بل هي المفردات الأكثر قدرة على احتواء الأبعاد اللامتناهية لهذه المهنة.

رغم كل هذه الحكايات التي زلزلت كيانك، تعقد العزم أن تلتزم بروح التفاؤل مؤمنًا بأن البدايات دائمًا جميلة كما يقول دوستويفسكي. فرح طفولي يغمرك عندما تداعب مسامعك نبرة صوتك  لأول مرة على الأثير، جنون عظمة يتملكك عندما تعتقد أن ما يفصلك عن كشف فضائح الفساد والمفسدين هو تعلم قواعد الكتابة الصحافية، زميلات لك بدأ يترسخ في قلوبهن يقين أن حسنهن واجتهادهن لابد أن أن يتوج ببرنامج حواري فني مع ألمع الفنانين. نعم، من حقنا أن نحلم، عنفوان الشباب والحلم  يسرعان تفاعلات كيمياء الحياة السعيدة. يحصل أيضًا أن تنزل للشارع لتنجز أول (ميكروطروطوار) في حياتك، يوبخك هذا وذاك، يدهشك جهل الأغلبية لموضوع سؤالك، لكن الله يرزقك صبر أيوب، لايمكن أن تزدري من ضعف ثقافة بعض أفراد شعب ترعرعت بين أحضانه، وستعمل خدمة له.

ما دمت مقبل على مهنة المتاعب، يذكرك المحاضرون دائمًا أن الإعلام أكثر من مجرد مهنة، بل هو رسالة نبيلة، وأن المجتمع يعول عليك لتداوي جراحه، وأن تنقل همومه ومشاكله وحتى سكناته لمن يهمهم الأمر. توبخك أمك وتنصحك بالتخلص من كيلوجراماتك الزائدة، إنسان – حسب رأيها – بهذه المورفولوجية لا يمكنه أن ينجز تحقيقًا صحافيًا ميدانيًا متعبًا، شخص غير قادر على التحكم في نظامه الغذائي لا يمكنه أن يتحكم في الرأي العام الوطني. يحثك الجميع على أن تتخد القراءة طقسا وعبادة، أنت مجبر على هذا الأمر ولست مخير، سيحدث أن تحاور يوما ما عبد الله العروي أو غيره من كبار القوم فكريًا في بلدك فيصبح اختيار المفردات بعناية واجبًا مهنيًا.

أشك أن ما كتبته قد يكون تطهيرًا روحيًا، اعترافات شاب في مرحلة جنينية من التكوين في ميدان الإعلام، أو ماض قريب اشتهت نفسي أن تجعل منه نوستالجيا، لكن الأكيد أنه محاولة لسبر أغوار هذا السؤال المحير والمستبد، والذي كلما اهتديت لجزء من خريطة جوابه ازددت يقينًا أن مستقبلي المهني سيكون مشرقًا: ماذا يعني أن أكون طالب إعلام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد