منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكل تظاهرة احتجاجية تلت تنحي مبارك عن الحكم، هي بمثابة معركة صغيرة مع ما تبقى من النظام ودولته، تؤسس للحرية المنشودة شيئًا فشيئًا، بانتزاع حق أو رد مظلمة، سواء استطاعت أن تحقق الهدف في حينها أو لم تستطع، هذه المعارك الصغيرة هي في الحقيقة مجموعة من النقاط المهمة والمتراكمة يمكن باستمرارها كسب جولة كبيرة حتى وإن بدت في وقتها لا شيء.

ومعركة نقابة الصحفيين مع النظام الآن إحدى هذه المعارك الهامة، خاصة وأنها هذه المرة ليست مع متظاهرين عاديين لا حول لهم ولا قوة؛ بل مع نقابة كبيرة لها شوكة وتمتلك أدوات تستطيع بها تهييج الرأي العام أو إسكاته إن أرادت.

لقد انتفض الصحفيون اليوم بنقابتهم انتفاضة قوية ومحمودة في هذا الموقف، فلا أحد ينكر عليهم حقهم في الدفاع عن «شرف المهنة» واعتقال زملائهم واقتحام النقابة وحصارها من قبل قوات الأمن، بينما لم تنتفض في جرائم أكثر وأشد بشاعة لمجرد أنها ارتكبت بحق غير أعضائها!

وهذا يؤكد نظرية أن الدولة المصرية في حقيقتها مجموعة من القبائل والعصبيات جرت العادة على تسميتها مؤسسات، فنحن لدينا العديد من القبائل مثل الجيش والشرطة والقضاء وغيرهم، وكل قبيلة تدافع عن حقوقها ومصالحها هي فقط، لا يعنيها حقوق القبائل الأخرى طالما لم تصبها جريرة، حتى النقابات المهنية راعية الحريات هي الأخرى تحولت إلى قبائل وعصبيات.

هذا هو حال نقابة الصحفيين اليوم، فمنذ انقلاب 3 يوليو وعلى مدار سنوات ثلاث تم خلالها اقتحام الجامعات والمدن الجامعية بل والمساجد، وتم فيها اعتقال مواطنين وطلاب من بيوتهم ومن مقرات العمل والدراسة، حدث كل هذا بأوصاف أبشع وأشنع ألف مرة مما حدث للسادة الصحفيين وكلها مظالم، لكن النقابة لم تنتفض ولم تحرك ساكنًا، وليتها سكتت، بل إنها بأعضائها وصحفها استخدمت كستارة قذرة للتغطية على جرائم النظام والتدليس بها، وأظن أنها لو انتفضت لهذه المظالم في حينها لما طالتها أيادي البطش اليوم.

لقد أصابتني الدهشة وأنا أتصفح بعض الصحف المصرية التي طالما بررت بكلمات باردة وعناوين مدلسة قتل الآلاف في رابعة العدوية واعتقال عشرات الآلاف، إما بصياغتها لأخبار مدلسة أو ترويجها لأكاذيب أقل ما توصف به أنها تتلقاها مباشرة من الضابط مسؤول الإعلام بجهاز أمن الدولة، وحين تقلب النظر في الصحف اليوم ترى عناوينَ جريئة من قبيل:

– دعوات لإقالة وزير الداخلية ووصفه بالوزير الـNegative.

– المواطنون الشرفاء يسبون الصحافيين أمام النقابة.

– الأمن دعم حصار النقابة بالمسجلين.

– النقابة تطلب اعتذارًا من السيسي.

هكذا انتفضت قبيلة الصحفيين اليوم للدفاع عن حقوقها، في حين لم تدعُ النقابة ذاتها إلى إقالة وزير الداخلية يوم أن قتل 1000 إنسان أو أكثر في يوم واحد، وبالمناسبة كان من بينهم 8 صحفيين لكن ربما الصمت لأنهم لم يكونوا نفس اللون!

وكذلك لم تدعُ النقابة صحفها لوضع شارة سوداء تنديدًا باقتحام الجامعات المصرية من قوات الأمن، وطالما سخرت الصحف ذاتها من ادعاءات المتظاهرين بأن وزارة الداخلية تدفع بالبلطجية والمسجلين خطر لقتلهم وحصارهم، في حين أنها اليوم تدعي ذلك وتستخدم المصطلح ذاته، فبأي وجه نصدقكم؟!

إذن دعونا نقر أن النقابة تدافع عن حقوقها لا عن الحقوق، وتندد باقتحام مقرها المقدس لا بالاقتحامات كافة، وتنتفض لاعتقال اثنين من أعضائها لا عن عشرات الآلاف من خارجها.

في الأخير، نافحوا عن حقوقكم كما شئتم، لكن لا مجال للمزايدة بأنكم حصن الحريات وأصحاب المبادئ، لقد سقطت كل الأقنعة يا سادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد