كان محقًا في ما قال ذاك الصحافي المشهور يومها: المؤامرة ستوجد دومًا، ولكن السؤال ما مدى مناعتنا الذاتية؟! رغم أن حديثنا كان صحافيًّا بحتًا وقتها إبان ظهور داعش وما لحقه، ولكنه أيضًا ينطبق على كثير من مجالات حياتنا.

فقد تعود الناس أن يتملصوا من أي دور لهم في الفشل والخسارات محملين أطرافًا خارجية كامل المسؤولية!

فانحراف الابن سببه رفاق السوء، وطلب النساء للطلاق هو بسبب الحرية التي فتحت عليهم في الغرب أو غيره، وطلاق الرجال لنسائهم سببه أيضًا تغير المجتمع حولهم أو نساء أخريات! وهكذا كل أنواع الفشل والتعثر لا يعترف أصحابها غالبًا بدورهم في حدوثها، وخصوصًا في المجتمع العربي، وغالبًا عند الطرف الخاسر أو الأضعف!

إن السفينة التي تخوض غمار بحر قد تحدث فيه عواصف وأعاصير يغلب أن تنجو لو لم تكن مثقوبة.

والبيت المتين الذي لم يزعزع أركانه ظلم وأَذى وعدوان، أو إهمال وطغيان يغلب أن يتجاوز التحديات الكبرى، ولكنه إن كان كبيت عنكبوت متهالك يفتقد السكينة والسلام والمودة والرحمة، ويشعر فيه واحد من الطرفين أو كلاهما بالبؤس والشقاء وعدم الكفاية النفسية والعاطفية والجسدية، وفوق كل ذلك الوحدة برغم أنه يعيش نظريًّا مع شريك، لهو بيت منتهٍ ينتظر فقط هبة ريح واحدة لينهار.

إن البيت الذي يدرك فيه كل طرف تمامًا حقوقه وواجباته، ويحترم حدود حريته وكرامته وحدود الآخر وكرامته، الأغلب أن يتحلى بالتوازن والقوة، ويستطيع الاستمرار أمام التحديات وحتى لو كان سينتهي لسبب أو آخر فسينتهي تحت ستار العدل والإحسان.

والأم والأب اللذان يحافظان على علاقة وطيدة وتواصل حميم مستمر ومتابعة لأولادهما، يغلب أن يستطيعا إدارة الأزمات حين تحل، والأغلب أن يستطيعا الوقاية منها لتحل في أقل درجاتها.

بينما الوالدان اللذان تقوم علاقتهما بأولادهما على تقديم العلف والمأوى والتمويل وبعض الأوامر والنواهي، فإن أبناءهما يفتقدون الحب والدفء والانتماء، وسيبحثون عن ذلك في جماعة أخرى، والأغلب أنها لن تكون جماعة خير، وسيدفع الجميع الثمن، ولا علاقات سوية قوية في رصيدهم يمكن أن تنهي الأزمة بيسر وسلام!

قال الله عز وجل: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ» (الشورى 30). لذلك فليس من المعيب أن يعيد المرء النظر في أفعاله وقراراته وخياراته، ويزنها بميزان الشرع والعلم والعقل والقلب، وينظر في ما إن كان أخطأ في حساباته؛ فيعود ويصلح ما يمكن إصلاحه، ويقبل بدفع ثمن أخطائه إن كان وقت الإصلاح قد فات، دون أن يفقد الأمل، بل يعود ويصحح المسار ولا يصر على خطئه ويعاند، ويدرك أن كل المحن تحمل في طواياها منحًا إن تعلمنا منها دروس الحياة، وأننا دومًا وأبدًا قادرون على أن نخرج مِن بطن حوتنا، ونبدأ من جديد: بالقول والفعل: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، فبها يتبرأ المرء من ظلمه، ويعلن بدء حياته من جديد، وهنا يولد الأمل وتنبت على جراحه شجرة من يقطين، وتأتيه الدنيا صاغرة، وهنا يحل التوازن في علاقات لا يظلم فيها المرء ولا يُظلم، بل يعامل بالعدل والإحسان.

ودليل قلبه الإيمان، وعقله طلب العلم والقراءة والتعلم دون توقف، في عملية نضج ومراجعة ذاتية تستمر العمر بأسره دون توقف أو تصلب، في سعي دائم ليبقى الضمير مرتاحًا حين يكون المرء قد استنفد كل وسعه وطاقته في إصلاح ذاته، ثم العالم من حوله ما استطاع لذلك سبيلًا.

إن المؤمرات لا تعيش إلا إن وجدت أرضًا خصبة فيها ظلم وقهر واحتياجات غير مشبعة وأطراف محبطة وغاضبة! وإن الرياح العاتية لا تستطيع اقتلاع الحصون! وهنا نتحمّل نحن كل المسؤولية وليس العالم الخارجي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد