لم يتم تشخيصي من قِبَل الطبيب بأنني أعاني من الاكتئاب، في الواقع لم يكن هناك أي طبيب من الأساس كي يعطيني تشخيصًا منمقًا يقنعني بمنطقية أي من الأشياء التي تحدث في الحياة، حياتي على وجه الدقة. لكن كان هناك اللا أحد حيث بعض البشر الذين يحاولون ثم يسأمون المحاولة فيتركون، يتركونني ببساطة لأنهم أرادوا. لن أقسو على أحد أو أظلم أحدًا فلعلهم لم يلاحظوا أبدًا أنهم تركوني خلفهم ومضوا بينما توقفت أنا عن المُضي منذ سنوات دون أن أجد العون اللازم منهم أو من غيرهم!

دعونا نعُد إلى أصل المشكلة أو بكلماتٍ أدق فلنعد إلى البداية التي لا تعد البداية الأصلية لكنها بداية الحديث ها هنا على أي حال. العزلة ودعونا نتفق على تسميتها بالعزلة الصحية، وهي تُعَدُ حلًا منطقيًا لشتى أنواع المشكلات لكن لحظة عن أي عزلة نتحدث؟ طبعًا العزلة هنا هي التي يخلقها المرء بنفسه لنفسه، بمعنى أنها عزلة تكونت بكامل إرادة صاحبها دون أي نوعٍ من أنواع الإجبار أو الظروف الممكنة.

ونعود من هذه النقطة مرةً أخرى لمعنى أو مفهوم العزلة الصحية التي تبدو صحيةً جدًا في رأيي المتواضع، هي في المقام الأول تستلزم وجود الشرط المذكور بالأعلى ثم يجب أن تكون في المقام الثاني عزلة للنفس حيث يمكن أن تبكي أو رُبما تصرخ ومن ثَمَ تعيد ترتيب أولوياتك جنبًا إلى جنب مع أخطائك… إلخ حتى تصل إلى شيءٍ من السلام الداخليّ بينك وبين نفسك وبذلك يمكنك أن تعود لحياتك الصاخبة أو روتينك اليومي كما تشاء بكل راحة بال.

وما علاقة هذا بما نتحدث فيه أصلًا؟ لا يوجد مجال للشك في أن هناك علاقة قوية بين الكلام في البداية عن حياة الوحدة والاكتئاب وما يليه من الحديث عن العزلة الصحية، فالكلام المذكور بالبداية ما هو إلا نتاج لما يسمى بالعزلة لكنها ليست بالضبط العزلة الصحية، بل نوعٌ آخر من العزلة يختلف تمامًا عن نظيره وهو نوعٌ مضرٌ بالصحة ويسبب الوفاة النفسية حرفيًا!

فلنصطلح على تسمية النوع الآخر من العزلة بالعزلة المضرة وهي تلك التي تستلزم وجود الإجبار ولا شيء غيره، أن تجد نفسك تُزج زجًا داخلها دون أي اختيار بل هو إجبار لا مثيلَ له. كيف تتوغل في شيءٍ كهذا؟ طبعًا إن ذلك لسؤالٌ في غاية الأهمية يستوجب أن يكون له إجابة فاصلة أو على أقل تقدير تكون إجابته مقنعة إلى حدٍ ما.

لا أحد يبغي أن يكون وحيدًا لكن الظروف أحيانًا تجبرنا على ذلك بأن تزيد المشكلات، أن تكون هذه المشكلات سيئة بشدة ليس ضرورة أبدًا لكن المعضلة تكمن في تزايد هذه المشكلات وتراكمها فوق قلبك. لا شك في أنك ستقاوم وتقاوم لكن هذه المقاومة وإن دامت طويلًا فلن تدوم للأبد لأنك ببساطة إنسان له طاقة لا يمكن تجاوز حدها مهما حاولت فعليك بالانهيار في وقتٍ ما.

النقطة التي تعتبر أكثر أهمية من احتياج أحدنا للانهيار هي كيف تُحسن الاختيار، اختيار الوقت المناسب للانهيار وهذا هو ما يحدث لمن يذهبون للعزلة الصحية بأنفسهم، هم يختارون الوقت المناسب. أما بالنسبة لأولئك المعزولين نفسيًا بالإجبار فهم قد وصلوا إلى أرضٍ خربة في أنفسهم بحيث لم يعد أحدهم يستطيع أو يقوى على الاختيار فهم أناسٌ تشوهت نفوسهم بفعل المقاومة الزائدة.

المقاومة الزائدة تفاقم سوء الوضع ويمكن أن تكون هي لُب المشكلة، ببساطة المقاومون الذين ينهارون ويُلقون بالعزلة المضرة ليسوا إلا نوعًا أرقى من المقاومين لأنهم في شيءٍ من الإيجاز بدأوا الطريق جريًا إلى المقاومة دون الصعود أو المرور خلال سلالم المقاومة وبهذا فهم يقاومون منذ البداية حتى النهاية. يواجهون خلال هذا الإرهاق النفسيّ الكافي الذي يجعلهم ينهارون في شيءٍ من المقاومة الداخلية التي ترفض الانهيار أو الشعور بالضعف ولو لثانية واحدة!

هكذا تبدأ رحلة من الاكتئاب إلى الاكتئاب، الاكتئاب الأول ليس إلا صدعًا صغيرًا في جدار النفس يزول بك وحدك، أما الاكتئاب الثاني فهو ذلك الذي يُحدث خندقًا في النفس فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يزول بك وحدك لأنه يجعلك تصل إلى مرحلةٍ من السوء بحيث لا تقبلك نفسك من الأساس ويبعدك هذا بالتتابع عن الجميع دون أي استثناءات. إن صرت هنا فأنت بحاجة إلى مساعدة من مختص دون تأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد