بعد أن تحدثنا في الجزء السابق عن البدايات والحاضنة التي ترعرع فيها التيار الإسلامي في تركيا، سنتابع في هذا الجزء التطورات السياسية التي عاشتها الجمهورية التركية من منتصف القرن الماضي التي تبلور التيار الإسلامي خلالها وحتى وصول العدالة والتنمية إلى الحكم في بدايات القرن الحالي.

توفي مصطفى كمال رئيس الجمهورية التركية عام 1938 وتولى صديقه عصمت إينونو رئاسة الجمهورية من بعده في فترة اضطراب دولي حيث عبر بتركيا سنوات الحرب العالمية الثانية بسلام حين اتخذ قراره بالحياد قبل أن يعلن الحرب على دول المحور في نهاية الحرب حيث اتضحت النتائج.

وبعد الحرب ساد اتجاه في تركيا يدعو للابتعاد عن نمط الحكومات الفاشية التي كان مصطفى كمال يسير على نهجها فبدأت عملية تشكيل الأحزاب من داخل حزب الشعب نفسه فقام جلال بيار أحد أعضاء حزب الشعب الجمهوري – الذي أسسه أتاتورك – بهذه المهمة مع مجموعة من الشخصيات المعارضة داخل الحزب منهم عدنان مندريس بتأسيس الحزب الديمقراطي متجهين نحو القطب الأمريكي الصاعد مبتعدين عن بريطانيا التي رعت أتاتورك وسهلت صعوده وقبوله في المجتمع الدولي في عشرينيات القرن الماضي، حيث بدأت سياسة تركيا تسعى للتوافق مع الولايات المتحدة انطلاقًا من موقعها كدولة جوار للاتحاد السوفيتي. فأفادت من مشروع النقطة الرابعة (1) الهادف لتقديم مساعدات تقنية للدول النامية الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان 1949 وكذلك من مشروع مارشال(2) 1947 الهادف لإعادة إعمار أوربا بعد الحرب، وقبلت كعضو في حلف شمال الأطلسي (3) عام 1952 بعد مشاركة قواتها إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب الكورية (4) 1950-1953 .

أعلن مندريس وفاءه للكمالية مع تبنيه للنهج الديمقراطي والتوسع في الحريات وفاز الحزب بانتخابات 1950 فعين جلال بيار رئيسًا للجمهورية وعدنان مندريس رئيسًا للحكومة. (5)

حصدت الجماعات الصوفية – التي وضعت تأثيرها الكبير في الشارع التركي خلف مندريس – نتيجة ذلك بسياساته التي خففت الضغط عنها، فأتيح لها حرية الحركة، كذلك أعيد الأذان باللغة العربية وبث القرآن الكريم ثلاث مرات أسبوعيًا في الإذاعة الرسمية وفتحت المساجد للصلاة ونشطت التكايا والزوايا وعاد الحديث عن مهاجمة العلمانية على منابر المساجد، ومن أهم تلك الطرق الطريقة النورسية التي تشكلت في تكاياها بوادر الحركة الانفصالية الكردية.

انقلب الجيش التركي على الحياة الديمقراطية في البلاد عام 1960 وأعدم مندريس، وعادة ما يتم تصوير ذلك الانقلاب بأنه انقلاب على حكومة إسلامية وأن سبب إعدام مندريس هو إعادة الأذان باللغة العربية، لكن الواقع يحكي قصة أخرى، إذ أن مندريس خلال سنوات رئاسته للحكومة دخل في صراع وجود حقيقي مع العسكر بلغ ذروته قبيل الانقلاب، فالسياسات الليبرالية لحكومة مندريس أبرزت طبقات جديدة في المجتمع التركي بينما أضعفت طبقات أخرى، وكان ضباط الجيش وصغار العسكر من المتضررين. أما المعارضة المدعومة من العسكر فرأت أن مندرس يريد التفرد في حكم البلاد خاصة مع رفعه الحصانة عن النائب قاسم غولك وسجنه وتقييده حرية الصحافة، وبلغت الأحداث ذروتها عندما منعت الحكومة عصمت إينونو زعيم المعارضة ورفيق درب أتاتورك خلال جولة له من النزول من طائرته في قيصرية لولا أن مؤيدي الحزب وبعض العسكر أنزلوه بالقوة، تلا ذلك أمر مندريس بإلقاء القبض على ثلاث ضباط برتبة عقيد قدموا استقالاتهم احتجاجًا على الإهانة التي تعرض لها إينونو فانتهى الأمر بتحرك الجيش في 2751960 وانقلابه على الحكومة وإعدام مندريس وعدد من رفاقه (6).

فالقضية أكبر من تعريب الأذان، فمندريس كان يعتقد بالعلمانية كنظام في تركيا أما دين الناس فهو الإسلام كما أن أوروبا مسيحية ودولها علمانية (7) وهو الاعتقاد الذي سيتبناه أردوغان في أيامنا وهذا لا ينفي أن الحركة الإسلامية استطاعت خلال فترة حكمه التحرك بحرية أكبر لكنها لم تتجاوز في عمقها سطحية الجماعات الصوفية ودليل ذلك أن الحركة الانفصالية الكردية التي خرجت من حضن تلك الزوايا كانت فيما بعد ماركسية الهوى معادية بشكل سافر للإسلام وكل مظاهر التدين.

حزب السلامة الوطني بقيادة نجم الدين أربكان

يعتبر هذا الرجل عراب التيار الإسلامي السياسي في تركيا. ولد أربكان عام 1926 أي بعد عامين من إلغاء الخلافة وكان عضوًا في الطريقة النقشبندية، حصل على الدكتوراه في هندسة المحركات من جامعة آخن في ألمانيا وعمل فترة من الزمن هناك قبل أن يعود إلى تركيا ويبدأ نشاطه الاقتصادي مستفيدًا من مكانته العلمية وقد مثل اتجاهًا جديدًا يتحرك للمشاركة في الحياة العامة والمساهمة الفعالة فيها. دخل أربكان الحياة السياسية حيث خاض الانتخابات النقابية وأصبح رئيسًا لاتحاد النقابات التجارية ثم دخل البرلمان عضوًا عن مدينة قونية وأسس عام 1970 حزب النظام الوطني كأول حزب إسلامي في تركيا. لم يصمد الحزب كثير فحلته المحكمة الدستورية بعد تسعة أشهر من التأسيس. أعاد أربكان الكرة وأسس حزب السلامة الوطني عام 1972 (7) واستطاع اللعب هذه المرة على وتر التوترات الطلابية والعمالية وموجات العنف المتتالية التي شهدتها تركيا في سبعينيات القرن العشرين والخوف من المد الشيوعي المتنامي، إذ أن الحزب يمثل اليمين المحافظ ما جعله يدخل في شراكات مع القومين الأتراك ويشارك في عدة إئتلافات حكومية لكن توجهه الإسلامي الواضح المعادي للعلمانية ورفضه لتدفق رأس المال الأجنبي وأطروحاته الإقتصادية المناهضة للإقتصاد الربوي ومشروع القرار الذي قدمه للبرلمان عام 1980 الذي يطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل وما تبعه في مؤتمر القدس الذي عقده الحزب تحت شعار (تحرير القدس) شارك به ما يربو على المئة ألف من أنصاره جاؤوا معتمرين العمامات والطرابيش رافعين الرايات الخضراء مطالبين بإلغاء النظام العلماني وإقامة نظام إسلامي مكانه، جعلته تحت عين الكماليين دومًا. (8)

بلغ عدم الاستقرار السياسي في تركيا ذروته في عام 1980 حيث انتهت ولاية رئيس الجمهورية فخري كوروتورك وفشلت الجمعية الوطنية التركية بعد مئة جولة تصويت في انتخاب رئيس للجمهورية ما يشير إلى حالة الانقسام الحاد في الشارع السياسي التركي وزاد الصراع بين اليمين واليسار وبين النقابات والحكومة وبلغت الفوضى أن أعلن رئيس بلدية فاستا على البحر الأسود استقلالها تحت اسم جمهورية فاستا السوفيتية قبل أن يتدخل الجيش ويخضعها من الجديد وانتهى العام بانقلاب الجنرال كنعان إيفرن الذي سيقضي على التوجهات الشيوعية في البلاد ويؤكد على علمانيتها الأتاتوركيتة ويعيد البلاد إلى الاستقرار على السكة الأمريكا، فحصلت تركيا بعد الانقلاب على دعم أمريكي تمثل في اتفاق للتعاون العسكري لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد وزادت عدد المنشآت العسكرية الأمريكية في البلاد وزادت المعونة العسكرية الأمريكية لتركيا إلى 755 مليون دولار عام 1984.

قام الانقلابيون بحل البرلمان والأحزاب اليسارية والنقابات العمالية والأحزاب السياسية وسجن زعماءها وعلى رأسهم نجم الدين أربكان. (9)

حزب الرفاه

بعد 1980 تغير المزاج في تركيا حيث وجد العسكر أن الكمالية لن تضمن الاستقرار في مجتمع متدين ومواجهة الشيوعية، فبدأوا باستخدام الإسلام كعامل ضمان ومواجهة ولكنهم أرادوا بذلك الاستهلاك لا تبني خطاب إسلامي حقيقي لذا فإنهم بقوا على عدائهم للتيار الإسلامي السياسي.

و انطلاقًا من التوجه الجديد بدأ الخطاب التركي يحوي مصطلحات إسلامية وأصبحت دروس الدين الإسلامي إلزامية في المدارس وكان الرئيس تورغوت أوزال المنتخب عام 1983 أول رئيس وزارة يؤدي فريضة الحج ويؤدي صلاة الجمعة بصورة منتظمة.

حاول أوزال إيجاد صيغة مقبولة بين ا لكمالية والإسلام وشكل حزب الوطن الأم (10) عام 1983 وضم الحزب بعد كوادر حزب السلامة الوطني المحظور.

في نفس الوقت أسس أربكان بعد خروجه من السجن حزب الرفاه الذي عزز مكانته بعد تصدع حزب الوطن الأم وخروج العناصر الإسلامية منه نحو الرفاه عام 1991.

عمل حزب الرفاه بجد منطلقًا من الانتخابات البلدية في الثمانينات وصولًا إلى تحقيق النجاح في الانتخابات البرلمانية في التسعينات من القرن الماضي حيث حقق في انتخابات عام 1995 نسبة 21 بالمئة من المقاعد ليكون أكبر أجنحة المعارضة لحكومة الوطن الأم (10) برئاسة مسعود يلماز والطريق القويم (11) برئاسة تانسو تشلير.

لم يعش تحالف يلماز تشيلر طويلًا فسقطت الحكومة وكلف الرفاه برئاسة أربكان بتشكيل الحكومة عام 1996.

الرفاه في الحكومة والصدام مع الكمالية

أصبح أربكان أول رئيس وزراء إسلامي في تركيا ولا شك أن أربكان قدم بعض التنازلات للعلمانيين حتى قبلوا بترشيحه بعد أن أعلن التزامه بالنظام العلماني والحفاظ على العلاقة مع الغرب فشكل الإئتلاف الحاكم بالشراكة مع تانسو تشيلر وحزبها الطريق القويم.

بدأ أربكان العمل بالتوجه نحو العمق الإسلامي فعزز العلاقات مع إيران وسعى لتحسينها مع سوريا وليبيا والعراق (12) واستضافت حكومة أربكان اجتماعات القمة لمجموعة الدول الإسلامية الثمانية (13).

عمل الرفاه كذلك على مستوى المجتمع فعزز تغلغله في كل مستوياته بما فيها الجيش خاصة بين الصفوف الدنيا كما تأسست منظمة رجال الأعمال المسلمين التي ضمت ثلاثة آلاف رجل أعمال تركي يديرون عشرة آلاف شركة وانتشر تعليم القرآن الكريم في المساجد والحلق وكانت عمومًا غير مصرح لها قانونًا.

كل ما سبق حفز المؤسسة العسكرية التركية، فقد جاء في بيان رئيس دائرة الإستخبارات العسكرية فوزي ثوركي : ” إن الرجعية الإسلامية تملك 19 صحيفة و110 مجلات و53 محطة إذاعة و20 محطة تلفزيون و2500 جمعية و500 وقف وأكثر من 1000 شركة و2200 تجمع سكني شبابي و800 مدرسة …” (14)

تصعد الضغط على حكومة أربكان وبدأ الجيش يناكفها في كل خطوة تتخذها فاضطرت إيران لسحب سفيرها بعد مشاركته في حفل إحياء ذكرى الانتفاضة الفلسطينية بدعوة من رئيس بلدية سنجان، وعندما انتقد أربكان التعاون العسكري مع إسرائيل رد الجيش بالاتفاق على مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل وأمريكا وانتهى الأمر إلى تقديم المؤسسة العسكرية لمجلس الأمن القومي التركي بيانًا يحوي 18 نقطة طالبوا الحكومة بتنفيذها بشكل مباشر، منها منع أي إجراء نحو تطبيق الشريعة ومنع توظيف المحسوبين على التيار الإسلامي في أي وظائف مهمة ومراقبة المؤسسات الإعلامية المحسوبة على الإسلاميين ومراقبة الجمعيات والطرق الصوفية ومواردها المالية.

سعى أربكان لتجنب الصراع مع العسكر قدر الإمكان واستجاب لبعض المطالب لكنه لم يقبل الاستجابة للمطالب التي كانت ستقوض مشروعه واستخدم جماهيره للرد على الجيش فحشد في منطقة السلطان أحمد ثلاثمائة ألف متظاهر مؤيدين للحكومة.

اجتمع المجلس العسكري الأعلى بعدها ليقيم استجابة أربكان وزاد الضغط على حكومة الرفاه لتدخل الولايات المتحدة على الخط وتعلن أنها لن تؤيد انقلابًا على حكومة الائتلاف الذي يضم الرفاه والطريق القويم ويبدو أن أربكان فهم التهديد الأمريكي المبطن فكثيرًا ما تبطن تصريحاتهم عكس ما تظهر، فقرر الانسحاب خوفًا من صدام لا يحمد عقباه فقدم استقالته ليقوم سليمان ديميريل رئيس الدولة بتكليف مسعود يلماز بتشكيل الحكومة في انقلاب أبيض وتصدر المحكمة الدستورية قرارًا بحل حزب الرفاه في 16 يناير (كانون الثاني) 1998 وحظر ممارسة السياسة لمدة 5 سنوات على أربكان وقادة آخرين في حزبه. (15)

سنتوقف عند هذه النقطة لنتحدث في المقال القادم عن أفكار حزب الرفاه وبرنامجه السياسي والانقسام الذي أصابه بعد انقلاب 1997 والجماعات السياسية الإسلامية الأخرى الناشطة في الساحة التركية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد