بمجرد ذكر جامع عمرو بن العاص الموجود بمدينة القاهرة يتبادر إلى أذهاننا رخام أبيض يقلل من حرارة الشمس ومآذن منتصبة إلى السماء وأروقة منتظمة وزخارف نباتية بديعة وفوارة في منتصف الجامع تبعث البهجة في النفوس. ولكن هل لكل هذه التكوينات المعمارية البديعة علاقة بالجامع الأصلي الذي بناه عمرو بن العاص في الفسطاط!

في الحقيقة إن المسجد في شكله الأصلي كان عبارة عن مساحة قد تكون غير متساوية (المصلى) ويحيط بها سياج من الحصير المجدول من سعف النخيل ويتصدرها المحراب الذي لم يكن له كُوة (تجويف) كما هو موجود الآن والأعمدة تكون من سيقان النخيل والتسقيف من زعف النخيل. وبهذا التصميم المعماري البسيط تم بناء مسجد البصرة عام 14هــــــــ ومسجد الكوفة عام 17هــــــــ وكذلك مسجد عمرو بن العاص 21هــ.

ولكن كيف وصلنا إلى الشكل الحالي لهذا الجامع العتيق؟! إنه تكون مثل قطع الدومينو أو لعبة الـpuzzle التي وضع فيها عمرو بن العاص أول قطعة من اللعبة وقامت الخلافات الإسلامية من بعده التي مرت على مصر في رص باقي القطع ليظهر لنا بشكله الحالي.

عمرو بن العاص يطلب إضافة منبر!

بعد ما أتم (عمرو بن العاص) بناء مسجده في الفسطاط، أراد أن يكون للخطيب شيء يعلوه داخل الجامع وهو ما يعرف اليوم باسم (المنبر) وأرسل إلى الخليفة (عمر بن الخطاب) يخبره بما يريد أن يفعل ولكن جاء الرد على عكس ما هو متوقع في كلمات عمر بن الخطاب المأثورة «أما يكفيك أن تقوم قائمًا والمسلمون جلوس تحت عقبيك» وبالفعل استجاب عمرو بن العاص لأمر الخليفة وكسر منبره ويقال إنه تم إعادة بنائه فيما بعد.

مسلمة بن مخلد الأنصاري وأول تعديل في المسجد

أول زيادة في مساحة المسجد كانت على يد (مسلمة بن مخلد الأنصاري) والي مصر في وقت خلافة معاوية بن أبي سفيان (مؤسس الدولة الأموية) وكان ذلك في عام 53هـــــ عندما أصبح المسجد ضيق المساحة على المصلين فقام بتوسعة المسجد من الجهة الشرقية والبحرية كما أمر بطلاء جدرانه بالدهان وزخرفة جدرانه والأسقف، كما أمر الخليفة ببناء منارة للمسجد.  كما أمر مُسلمة بإضافة أربع مآذن في أركان الجامع وفرش الأرض بالحصر وكل هذا لم يكن موجودًا بالبناء الأصلي.

هدم المسجد وإعادة بنائه

وفي عهد (عبد العزيز بن مروان) سنة 79هــــ والذي زاد في مساحته من الجهة الغربية ورفع سقف الجامع. إلى أن جاء والي مصر (قرة بن شريك العباسي) الذي هدم الجامع وقام بإعادة بنائه مرة أخرى وأضاف منبرًا جديدًا وأزال منبر عمرو بن العاص. كما أمر بعمل محراب مجوف على غرار محراب المسجد النبوي وأضاف تيجانًا مذهبة لأعمدة المحارب وجعل للجامع 11 بابًا للدخول والخروج.

المزيد من الإضافات الطولونية والفاطمية!

وأخذت التعديلات والإضافات والإصلاحات على المسجد في العصر الطولوني إلى أن وقع حريق كبير في جزء من المسجد مما اضطر إلى إعادة ترميم الجامع وتم إضافة الزخرفة واستخدام الفضة في التزيين والنقش. ولم يسلم الجامع من الإضافات الفاطمية حيث تم إضافة فوارة إلى الجامع. كما أرسل الخليفة الفاطمي (الحاكم بأمر الله) نجفة من الفضة إلى الجامع يبلغ قيمتها مائة ألف درهم من الفضة، كما تمت إضافة مئذنة جديدة.

الخطر الصليبي والإضافات الأيوبية والمملوكية

في عام 564هـــ تم إحراق مدينة الفسطاط خوفًا من استيلاء الصليبيين عليها وبالطبع لم ينجُ الجامع من ذلك الحريق ولكن بعد استقرار الحكم لصلاح الدين الأيوبي قام بإعادة إعمار الجامع مرة أخرى وإضافة الرخام إليه ورسم عليه اسمه. وبعد انقضاء الدولة الأيوبية حضرت دولة المماليك وبقوة فتركت لنا الشبابيك الجصية في الواجهة الغربية للجامع (حتى الآن) والمحراب الجصي والكتابات العربية والزخارف النباتية والقناديل. كما أنهم أضافوا مئذنتين ما زالتا متواجدتين حتى الآن.

الحملة الفرنسية ومسجد عمرو بن العاص

وحتى الحملة الفرنسية أبت أن تخرج من مصر قبل أن تضع بصمتها على الجامع فقاموا باقتلاع الأخشاب من الجامع وسرقتها وتخريبه ولكن بعد ذلك تمت بعض الإصلاحات عليه.

السلاطين والجامع العتيق

وظلت هناك علاقة طيبة بين كل من حكموا مصر من أمراء وسلاطين وبين هذا الجامع العتيق حيث إنه جرت العادة أن يتم إقامة شعائر صلاة الجمعة الأخيرة في شهر رمضان (الجمعة اليتيمة) في جامع عمرو بن العاص وظل هذا التقليد بداية من العصر الفاطمي وحتى عام 1952م.

وبعد هذه الرحلة الطويلة لهذا الجامع يمكننا القول إن الجامع الحالي لا يوجد له صلة بالجامع الأصلي من الناحية المعمارية الذي تم بناؤه باستثناء البقعة الأرضية التي بُنيَ عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موسوعة مساجد مصر وأولياؤها الصالحون د/سعاد ماهر
القيم الجماليه فى العماره الاسلاميه - ثروت عكاشه
عرض التعليقات
تحميل المزيد