حينما لا تكون الدعوة مجرد وظيفة، وتكون الرسالة السماوية منهج حياة، ويكون الإبحار في الذات الإلهية فلسفة عمر يأتي كتاب بوزن:«لأنك الله رحلة إلى السماء السابعة» للكاتب علي بن جابر الفيفي، هو ليس مجرد كتاب دعوي، كتاب يحاول من خلاله الكاتب إسقاط النظرة التقليدية الخاطئة للرهبة الإلهية ويحاول من خلاله إعطاء مدلول عميق لكلمة الله ومساواتها بالأمن والأمل «قلبي كله أمل لأنك الله».

مدخل الكتاب إهداء طريف يحمل معاني جميلة، جاء في شكل حوار للكاتب مع أمه، وكان الكاتب أراد من خلال هذا الإهداء التقديم لفلسفة تربوية موجهة للأمهات خصوصًا، فالأم هي المنبع الأول الذي يستقي منه الطفل توجهاته ومعتقداته الدينية في مراحل الطفولة الأولى، مرحلة المهد ومرحلة الطفولة المبكرة، فكلما كان مفهوم الألوهية والعبادة واضحًا لدى الأم استطاعت أن تربي لنا جيلًا يستمتع بالعبادة ولا تكون عبادته لله خوفًا ورهبه منه بل رغبة وحبًّا.

من الكاتب؟

علي بن يحيى بن جابر الفيفي ‏دكتوراه في الدعوة والاحتساب، يعمل محاضرًا في قسم الشريعة واللغة العربية في كلية البرامج المشتركة بجامعة الملك خالد، وقد التحق بالجامعة عام 1435هـ، له العديد من الأبحاث العلمية المتميزة. مهتم بالعمل الاجتماعي، والإصلاح بين الناس.(2)

لمن الكتاب لأنك الله؟

جاء الكتاب في 192 صفحة تم إخراجه بلغة سهله بسيطة، يقدم لنا الكاتب من خلاله رؤية دينية بشكل أدبي سردي مما يجعل الكتاب موجهًا حسب مقدمة الكاتب إلى ذوي الثقافة المتوسطة، موجهًا تحديدًا إلى المريض على سريره، وإلى الحزين في بحر دموعه، وإلى المحتاج وسط كروبه.

لماذا كتاب لأنك الله؟

كتاب لأنك الله كتاب روحاني فلسفي وليس كتابًا دينيًّا، ينغمس بنا في الذات الإنسانية من خلال استشعار الذات الإلهية. فقد حاد الكاتب عن المنهج التقليدي للكتب الدينية وأسلوبها الفلسفي العميق ولغتها المركبة مما يجعلها حكرًا على ذوي الاختصاص دون سواهم، في حين تخاطب الكتب الروحانية النفس وتستشعر طاقتها للانبعاث والتفاعل مع الذات.(3)

كتاب لأنك الله جرعة إيمانية نادرة، يمكن لقارئه التحليق في السماء السابعة من خلال الإبحار في الذات الإلهية، هو مصل شافٍ للمريض في سريره، وشعاع فرح للحزين الغارق في دموعه، وقارب نجاه للتائهين الذين أنهكتهم الحياة.

اختار الكاتب فيه 10 من أسماء الله الحسنى هي:

الصمد – في ظلال الصمدية:

«لا يستطيع العالم كله أن يمسك بسوء لم يرده الله لك، ولا يستطيع العالم كله أن يدفع عنك سوءًا قدره الله»، وجاء ذكر اسم الصمد في صورة الإخلاص أعظم سور القرآن التي تعادل ثلث القرآن، هذا الاسم يجعل الذات الإنسانية موثوقة بالذات الإلهية، فيحتاج العبد إلى الله ليحفظه وليعينه وليهديه وليلطف به فان لم يعد إلى الله طوعًا عادة إليه مضطرًّا ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾

وفي ذلك يتساءل الكاتب لماذا ننتظر جائحة تردنا إليه، ومصيبة تذكرنا باسمه؟ ألا يستحق الله أن نخضع ونلجأ إليه دون جائحة أو كارثة رغم كل ما أعطانا إياه من حياة ومن وصحة ومن إيمان وأمان.

الحفيظ – احفظ الله:

فالله وحده من يحفظ حياتنا ويحفظ صحتنا ويحفظ أبناءنا، ويحفظ أموالنا ويحفظ كل شيء في هذه الحياة. وهو الذي يحفظنا في ديننا وأنفسنا وأحبتنا. يسرد لنا الكاتب جملة من القصص عن حفظ الله لعبده في كل لحظة بل لمئات المرات في اللحظة الواحدة. «يا غلامُ، إني أُعَلِّمُكَ كلماتٍ احفظ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ».

اللطيف – الإبحار في لطف الله:

إذا أراد اللطيف أن يعصمك من معصية جعلك تبغضها أو جعلها صعبة المنال منك، يروي لنا الكاتب جانبًا من قصص الأنبياء التي نستشعر فيها معنى لطف الله كقصة سيدنا يوسف حين أراد الله أن يلطف به ويخرجه من سجنه، فهو لم يسق إليه من يكسر عنه قفل سجنه، بل مثل نجاته من السجن في رؤيا من منام الملك. نعم إنه الله إذا أراد شيئًا هيأ له كل الأسباب «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»

الشافي – وإذا مرضت فهو يشفيني

الله يشفيك بسبب، يشفيك بأضعف سبب، ويشفيك بأغرب سبب، ويشفيك بما يرى أنه ليس سببًا ويشفيك بلا سبب. إنه اسم الله يغسل أرواحنا من أتعابها وأسقامها. فالمرض في حياتنا عارض متكرر متنوع الألم متعدد الأشكال، لا تكاد تخلو منه نفس، والله هو الشافي يبتلينا لنعود إليه فيشفينا بالعشب وبالدواء وبالغذاء وبالماء، فعنده تودع كل أسرار الشفاء. يشفي بالصبر وبالدعاء بالصدقة وبالاستغفار ويشفي بالتوبة وبالرضا.

الوكيل– فاتخذه وكيلًا

التوكل هو أكسجين الحياة، توكل على الله في علمك وعملك وفي عبادتك وفي كل حياتك، تذكر دومًا أن الله أمرك أن تتوكل عليه وأن يكون توكلك يقينًا قلبيًّا تستشعره جميع حواسك.

الشكور– إذا أعطاك أدهشك

من كرم الله تتغير المسائل الحسابية، لأنه كرم لا يخضع للمعادلات والحسابات بل للفضل الإلهي. فمن شكره يغفر الذنوب ويستر العيوب يعطي الصحة والعافية المال والبنون ﴿مثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وفي الأثر الصالح وقصص العديد من تجليات شكر الله لعبده على عمله الصالح.

الجبار– وحده الله يجبر كسرك

«كلما انطفأ حلم خلق الله لك حلمًا أجمل، وكلما بهتت في قلبك ذكرى صنع الله لك ذكرى أروع» أرواحنا المنكسرة وقلوبنا المهشمة وأنفسنا الضعيفة تحتاج إلى من يجبرها إنه الله، يروي الكاتب مجموعة من القصص الجبار بلسم لروح المنكسرين الذين حطمتها غطرسة وظلم المتنمرين.

الهادي– الله يهدي من يشاء

إن استشعار معنى اسم الهادي هو نور ينبثق بداخلك لتجد طريقك الذي ظللته، الهدايا هي الميل من الخطأ إلى الصواب، ومن الضلالة للرشد، ومن التيه إلى الجادة. والهادي كم يهديك يهدي إليك الخير كله، ويسرد لنا الكاتب في أسلوب سردي ماتع العديد من القصص كان لهداية الله الخلاص والراحة والطمأنينة.

الغفور– استغفر الله

الذنوب تجعل أرواحنا في سجن لكن ما إن نستشعر معنى اسم الغفور تبدأ جدران السجن تتصدع، ولأن الغفور يعلم أن الذنوب ستفسد علينا حياتنا دعانا للاستغفار في كل لحظة وفي كل حين في الطاعة وفي المعصية.

القريب– أقرب من حبل الوريد

الله أقرب لنا من حبل الوريد وبذكره تفتح الأبواب وتزول المصاعب والعقبات ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾. فكلما استشعرنا قرب الله سكنت أرواحنا وشفيت جراحنا.

هنا تنتهي رحلتنا في قراءة كتاب «لأنك الله» في نفحات إيمانية مميزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد