قد تتصور لأول وهلة من قراءتك لهذا العنوان أن هناك نوعًا من الخيال سيُسرد عبر هذه السطور، ولكنه -في الواقع- يعني ما يقصده حقًّا، إذ إنك ستنطلق بعيدًا إلى موطنك الخاص الذي لا يقطنه أحد سواك!

في هذا البحر المليء بالأسرار، لا تكاد تسير فيه قليلًا إلا وارتطمت بأعاجيب الزمان، ما يدور فيه من أفكار وتدابير، أحلام وطموحات؛ أمورٌ لا يعلمها أحد إلا عالم الأسرار. جمل متناثرة؛ لا تعرف صدى لتأثيرها إلا حين ينطق بها اللسان، ربما لو توقفنا قليلًا لتعقل بعضها، لظللنا صامتين أمد الدهر. أفكار تنمو وتزدهر، وأخرى تموت وتُدفن، لا يواريها التراب، ولكن يواريها الزمن بما فيه من تحديات! لا تنفك من أمرٍ إلا ويتبعه آخر، في تلاحم مستمر «هكذا هي الدنيا» لا تسير على وتيرة واحدة، ولو سارت على تلك الوتيرة لانفضت الروح انفلاتًا منها وفرارًا. تترابط بعضها بعضًا كأن بينها عناقًا أبديًّا، تتشابك الأطراف بينهم كتشابك أصابع الأيدي بعضها ببعض. تتشعب وتتنافر كثيرًا – على حين غرة- كأن حربًا قائمة، ومن شدة التهابها لا تعلم من المنتصر!

ربما يدرك كلٌّ منّا أنه أخطأ في ترتيباته وخططه، ربما جانبه الصواب تارة، وربما وقف متحيرًا بين الأمرين ولا يعلم هل أصاب أم لا! ربما تكون النتائج خادعة جدًا لدرجة أنها تقوده للفشل الذريع، ربما تحتاج الترتيبات إلى تعديلات، بل ربما تحتاج لأن تُمحى من الأساس!

قبل أن أبدأ رحلتي، ربما يجدر بي من البداية أن أنوه للفروق العقلية التي تُميزنا نحن البشر، ربما أحتاج لأن أنوه أيضًا إلى اختلاف المستوى الإدراكي الذي يُغير من نمطنا التفكيري، بل ربما يجدر بي من الأساس أن أنوه بأن هناك بعض البشر لا يفكرون ولا يقررون؛ لا يفكرون بالقدر الذي يجعلهم يقدرون الأمور بقدرها، ولا يفكرون بالقدر الذي يجعلهم يدركون أسباب الفشل والنجاح -في أيسر الأمور- ومسببات الفرح والحزن، لماذا نُصاب بالإحباط تارة؟ ونشع بنور الأمل تارة أخرى؟ لا يدركون كيف تكون سلوكياتنا وتصرفاتنا سببًا في ترك أثر أو طابع سلبي أم إيجابي لدى الآخرين؟

كل ما يجب أن يفكر به «هكذا يحدث المرء نفسه» كيف سيكون صدي تأثير تصرفه على الشخص أو المجتمع؟ هل ما أردته إيجابيًّا سينعكس إيجابًا! هل ما أردته سلبيًّا سينعكس سلبًا! ما يدور بداخل ذلك العقل البشري، هو منظور واحد فقط، منظوران على الأكثر، هذا المنظور يكون وفقًا لظروف اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، بل وأحيانا دينية، هذا هو منظورك الذي تؤمن به! أين بصيرتك التي تجعلك تتقبل المنظور الآخر؟ هل لديك بصيرة بالفعل أم أنك تُحب أن تتمتع بالديكتاتورية الفكرية، الحيز الضيق الذي لا تستطيع أن تفرضها إلا فيه، لا أحد ينتقد عليك تفكيرك، لكن ينتقد تصرفاتك! الفكر لا يُنتقد طالما لم يَخرج عن أسواره التي تحده داخل العقل! فهذا موطن ديكتاتوريتك! أما إذا تُرجمت هذه الأفكار إلى تصرفات أو أفعال أو حتى كتبتها في مذكرات، فأنت في موضع الانتقاد! فلماذا قبل أن تخرج هذه الأفكار، أن تتعرض على الأقل لأكثر من منظور!

يكمن هناك في البعيد القريب، فالقريب ذلك العقل الذي نمتلكه، يجاورنا ونجاوره، حتى في ثُباتنا العميق! والبعيد تلك الأفكار التي تدور بداخله، والتي تنعكس على تصرفاتنا وسلوكياتنا، والتي تؤثر في حياتنا ومسارها، التي تجعلنا ندرك الأمور ونفهم المواقف ونفسر الظواهر بأكثر من منظور. تتنوع مُدخلات تلك الأفكار، ربما تتغير وجهات النظر لأكثر من 180 درجة لتغير البيئة والظروف المحيطة، ربما يكون قراءة كتاب سببًا في إحداث ثورة فكرية عظيمة بداخل العقل! ربما يكون الجلوس مع شخص أكثر اطلاعًا سببًا في تلك البلبلة الفكرية. ما يجب أن توقن به، ويوقن به من حولك، أنك دائم التعرض لتلك الثورة الفكرية، وما يجب أن يوقن به من حولك، والسابقون لك -بالأحرى- أنك دائمًا ما تمر بتغيرات فكرية، أنك لن تبدأ من حيث بدأوا، بل من حيث انتهوا!

عالم آخر يدور داخل كل عقل بشري، عالم يفصله عن ذلك الواقع الذي يدور من حوله، فالمجرم – على سبيل المثال- له عالمه الإجرامي المملوء بالقتل، والسرقة، والتعدي على حقوق الآخرين النفسية وممتلكاتهم. لا أتحدث عن الأمر من ذلك المنطلق، ولا أتحدث عن الدوافع النفسية التي دفعته للاتجاه لذلك، ولكن ماذا يدور بداخل عقله من أحداث دفعته للسماح لنفسه للقيام بذلك! ما مبرراته وحججه التي تجعله يجد ذلك أمرًا واجبًا محتومًا عليه! قد تكون للنشأة علاقة بذلك، قد تكون لقلة الوعي علاقة بذلك! فهذان سببان بالأساس ينفيان عنه العقوبة الرادعة التي يتلقاها. لا أبرر فعلته! ولكن لمَ يُعاقب على أمر يجهل عواقبه على المجتمع من حوله؟! لمَ يُسأل عما يجهله بالأساس؟ إذا كانت الحُجة لإقامة العقوبة عليه، أنه قد بلغ سن الرشد، ويستطيع أن يميز بين ما هو محمود فعله، وما هو مذموم. إذن يُطرح هنا سؤال محتوم طرحه -من وجهة نظري- لماذا لا يُعاقب الأب، أو المعلم، أو المربي، أو أيًّا كان مسماه، على وقوفه عقبة في وجه أبنائه أو تلامذته؟! لماذا لا يُعاقب وهو قد أعاقه عن تحقيق ما يريد من أحلام وطموحات تدور بداخل عقل ذلك الناشئ؟ هل يُبرر لذلك أنه لا يسمى جاهلًا؟ فهو يقرأ ويكتب! هل كل من استطاع القراءة والكتابة أصبح عالمًا؟ فالرسول لم يقرأ ولم يكتب «وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ»، ولكنه ملأ الأرض نورًا وعلمًا «كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ». لا نريد أن نكون كقطعة الشطرنج، ولكن كلاعب الشطرنج! لا نريد أن نتوقف لأن وترًا قد انقطع من الكمان، ولكن نجتهد في إنجاح الحفل بالأوتار الباقية!

لا أتحدث في مقالتي هذه عن حياة ملائكية، فنحن بشرٌ نُخطئ ونصيب -أؤمن بهذا تمام الإيمان- ولكن أبحث عن سبب نشوء تلك التصرفات؟ بل لماذا يكون التصرف بهذا النمط؟ ماذا يدور في العقل قبل ذلك؟ ما المراحل التي مر بها ذلك التصرف، وجعل صاحبه مؤمنًا بأنه أنسب شيء؟

ربما يجدر بي أيضًا أن أنوه لكوني بشريًّا وأحكم على بني جنسي، أنك لن تتفق معي في ما أورده من أفكار في تلك المقالة اتفاقًا كليًّا، أو فيما سيليها من مقالات. ولكن ستكون سببًا في إعادة ترتيباتك لبعض الأمور، أو بالأحرى ستُحدث بلبلة في بعض تصرفاتك الفكرية قبل أن تترجمها لفعلية، ستجعل من فكرك أكثر نضوجًا.

لا أنتقد التصرفات لكونها تصرفات، ولكن أنتقد ثبات بعض البشر على هذه التصرفات، لأنهم لا يتحركون لتغييرها، بل لأنهم وجدوا من ذلك روتينًا يوميًّا ألفوه، ووجدوا فيه راحة نفسية، بل إنهم ألفوا ردود فعل الناس من حولهم، فتدور الكُرة وتتدحرج وتعود لنقطة البداية! دون أي جديد يُذكر، لا فائدة تُذكر من التجربة! لا تغيير يُضاف للحياة! لا ينتج عن هذا دروسًا عملية تُنقل لغيرك! فهذا هو الإلف والعادة، وإذا خرجت عنه أصابتك الحمى، هكذا أظن وهكذا تفكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد