يُحكى أن أحد العلماء من السلف كان غنيًّا، وكان يرتدي أفخر الثياب، ويركب أجمل الأحصنة، فرآه يهودي يعمل عملًا قذرًا، وهو فقير، شقي، جائع، وقد سمع هذا اليهودي حديثًا لرسول الله: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»، فلما وقعت عين هذا اليهودي على هذا العالِم الذي يركب حصانه، ويرتدي أجمل ثيابه، قال له: أيّ سجن أنت فيه؟ وأيّة جنة أنا فيها؟ شيء محير، فقد كان نبيكم يقول: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»، فأي سجن أنت فيه وأنت على ما أنت عليه من غنى ورفاه وعز وشأن؟ وأي جنة أنا فيها على فقري وشقائي وحرماني وتعاستي؟ فأجابه هذا العالِم وقال له: إنّ حالك هذه التي تشكو منها إذا قيست بما ينتظرك من عذاب أليم فأنت في جنة، وإنّ حالي التي تراها إذا قيست بما ينتظرني من نعيم مقيم فأنا في سجن.

قد ينظر البعض إلى الدنيا كأنها جنة، والبعض يراها دار الشقاء، وآخرون يرونها بين هذا وذاك، تختلف رؤيتنا لها لأننا لا نعرف بعد معنى السعادة ومعنى الشقاء، ما زلنا لم نر الحقيقة المطلقة التي نستطيع من خلالها أن نعي هذين المفهومين.

ولكن عندما يدخل أهل الجنة الجنة – نسأل الله أن نكون منهم – لن يختلف أحد من أهلها على أنه في النعيم المطلق، ولن يتمنى أن يعود لما يسمّى نعيم الدنيا؛ لأنه لم يكن حقًّا نعيمًا وأهل النار – نعوذ بالله من أن نكون منهم– لن يختلفوا على كونها شقاء، وسيتمنى كل من فيها أن يعود لشقاء الدنيا لأنه لم يكن شقاء. أي إنه عندما تتجلى الحقيقة الكاملة أمام أعيننا في الآخرة فسنتعرف حينها على معاني النعيم والشقاء.

يقول أحمد شوقي: لا تحفلن ببؤسها ونعيمها .. نعمى الحياة وبؤسها تضليل.

إنها الدنيا، تسعدنا مباهجها لأننا لم نعرف بعد معنى البهجة، فذلك هو أجمل ما ذقناه، فيكون نعيم الملوك في أعيننا هو النعيم المطلق، وتؤرقنا متاعبها لأننا لا نعرف بعد معنى البؤس، فهذا أقسى ما رأيناه، فيكون الفقر والقتل والحرمان هو الشقاء الكامل.

لذلك فنحن بالفعل مضللون كما يقول شوقي، مخدوعون بما نراه من نعيم الدنيا وشقائها، ولسنا نعرف إلا ما رأيناه، ونحن لم نر شيئًا غير الدنيا. وتأتي الأيام لتثبت لنا كيف ننخدع، فإذا نزل بلاء بالإنسان قد يظنه أقسى وأمر شيء رآه، ثم يمر ويأتي ما هو أكبر منه فيقول بل هذا أشد.

اشتكى رجل لصاحبه قائلًا: إن الحياة قاسية، فقال له: مقارنة بماذا؟ القول بأنها قاسية وبائسة هو قول مُتَفهّم نظرًا إلى طبيعتنا نحن، من حيث الضعف وقلة العلم، ولكن من رأى عَالَمًا آخر غير عالم الدنيا يقارنه بها هو فقط من يستطيع أن يقول إن كانت الدنيا كذلك أم لا.

لماذا نعمى الحياة وبؤسها تضليل؟

لأن الدنيا هي فقط مسحة من بهجة ومسحة من شقاء، جزء من ملايين الأجزاء من النعيم وجزء من ملايين الأجزاء من الشقاء، وبالتالي ذلك الجزء الضئيل لا يُعَد نعيمًا أو شقاء حقيقيًّا.

ولذلك فالدنيا تصلح فقط في أن تجعلنا نعرف ما هو الفرق بين المعنيين، ولعل هذا ما يريده الله منها، يريدها أن تُرينا أن هناك شيئًا ما يسمى نعيمًا، هناك ما يسمى جمالًا، شيء ترتاح له النفس، وهذا الذي تراه هو أقل القليل منه كي تتعرف إليه، وكي تسعى لنيله، وأن هناك ما يسمى شقاء ونَصَبًا، وهو شيء مؤلم تكرهه النفس، وهذا هو أقل القليل منه فتسعى لتجنبه.

هذه الدنيا ليست بشيء، هي لا ترقى حتى إلى أن تكون دار شقاء، فهي أصغر من أن توصف بشيء لأنها ليست بشيء. هي رحلة قصيرة يعلّمنا الله فيها ويرقّينا، فكما علم آدم الأسماء كلها فهو يعلمنا الأسماء والمعاني ويُرينا فيها، ما يجعلنا قادرين على تصور ما هو موجود في دار الحقيقة، دار النعيم الحق، وهي الجنة، ودار الشقاء الحق، وهي النار.

أما هذه الدار فهي فقط المكان الذي اختاره الله لنا لنُمتَحن فيه، وقَد خابَ من حَمَلَ ظُلْما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد