شهدت العاصمة السودانية الخرطوم قبل أيام احتفالات كبيرة حظيت بزخم إعلامي محلي، وذلك بمناسبة استقبال حكومة الفترة الانتقالية لقادة الحركات السودانية المتمردة وفقًا لاتفاق سلام تم توقيعه بين الطرفين في عاصمة جنوب السودان جوبا في أكتوبر الماضي وتباينت ردود الفعل السياسي والشعبي حول الاتفاق بين مؤيد يرى فيه خطوة تجاه وقف الحرب ومعارض يؤكد أن الاتفاق عبارة عن محاصصة جهوية ولم يخاطب جذور الأزمة السودانية.

ويتقاسم السلطة في السودان مزيج من العسكريين والمدنيين منذ أغسطس من العام المنصرم عقب ثورة شعبية أطاحت نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل من العام 2019م الذي امتد حكمه لثلاثين عامًا وقع فيه نظامه عدد من اتفاقيات السلام المماثلة مع نفس هذه الحركات، حيث شغل قيادات من الحركة الشعبية مناصب تنفيذية وبرلمانية في الفترة التي تلت توقيع إتفاق السلام الشامل في نيفاشا في العام 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق فيما شغل قيادات من حركات دارفور مناصب عليا في حقبة الرئيس المعزول بعد اتفاقيتي أبوجا والدوحة.

تنص الوثيقة الدستورية التي حلت محل دستور 2005 الانتقالي والتي وقعت بين شركاء الحكم في السودان على تخصيص أول ستة أشهر من الفترة الانتقالية لتحقيق السلام الشامل، لكن مفاوضات السلام تطاول أمدها بسبب فقدان الثقة بين تحالف الحرية والتغيير الحاكم والحركات المتمردة وذلك بعد الخطوات الأحادية التي اتخذتها القوى المدنية بتوقيع اتفاق تقاسم سلطة مع المجلس العسكري الانتقالي دون مشاركة الحركات مع العلم أنها موقعة على ميثاق الحرية والتغيير.

سلام ناقص

يرى كثير من الخبراء أن اتفاق سلام جوبا جزئي ولا يحقق السلام الشامل بسبب غياب الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال بقيادة عبد العزيز الحلو والتي تسيطر على مناطق لا يستهان بها في جبال النوبة أبرزها مدينة كاودا الاستراتيجية، يرى عبد العزيز الحلو وفقًا لمنفستو (إعلان سياسي) صادر عن حركته أنه لا سبيل لتحقيق السلام الشامل في السودان إلا من خلال النص على فصل الدين عن الدولة في الدستور أو منح إقليم جبال النوبة حق تقرير المصير للانفصال عن السودان على طريقة جنوب السودان الذي انفصل في العام 2011م وفقًا لاتفاق سلام نيفاشا، وعلى الرغم من توقيع اتفاق إعلان سياسي بين الحلو وعبد الله حمدوك في أديس أبابا في سبتمبر الماضي ينص على قبول حكومة السودان بمبدأ فصل الدين عن الدولة، إلا أن رئيس وفد الحكومة المفاوض في جوبا الفريق أول شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة الانتقالي رفض هذا المبدأ في الورشة غير الرسمية التي عقدت مع الحركة الشعبية شمال في جوبا مطلع نوفمبر الجاري الأمر الذي يعقد إمكانية الوصول لاتفاق بين الطرفين.

كما تغيبت حركة وجيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور من اتفاق جوبا حيث ترفض الحركة التفاوض مع الحكومة الانتقالية وترى فيها امتدادًا لحكم البشير وتضع عدد من الشروط المسبقة أهمها تفكيك المليشيات القبلية وإعادة هيكلة القوات المسلحة وعلى غرار حركة عبد العزيز الحلو تسيطر قوات عبد الواحد النور على مناطق متفرقة في وسط دارفور وتتمتع بنفوذ كبير في معسكرات النازحين هناك، كما أن للحركة فصيلًا طلابيًّا نشطًا في الجامعات السودانية تحت مسمى (الجبهة الشعبية المتحدة) وذكرت عدد من التقارير الأممية مشاركة قوات عبد الواحد في النزاعي الليبي إلى جانب قوات خليفة حفتر.

غياب ضمانات لتمويل الاتفاق

ذكر ديو ماتوك وزير الاستثمار في جنوب السودان وسكرتير الوساطة جنوب السودانية، والتي ساهمت في توقيع سلام جوبا أن تنفيذ الاتفاق يحتاج لمبلغ 18 مليار دولار خلال 10 أعوام التزمت حكومة السودان بدفع 7 مليار منها ولا توجد حتى الآن جهة مانحة التزمت بدفع بقية المبلغ الوقت الذي تحوم الشكوك حول مقدرة الحكومة الانتقالية في السودان على توفير مبلغ 7 مليار دولار في ظل أزمة مالية حادة ووضع اقتصادي متردٍ دفع بها لوقف الدعم السلعي للوقود والخبز أكثر من مرة، ويعتبر مراقبون أن عدم وجود ضمانات كافية لتمويل اتفاق جوبا أكبر المهددات التي ستعصف بالاتفاق.

اتفاق نخب سياسية ولا يعبر عن أصحاب المصلحة الحقيقيين

تعتبر الأزمة الإنسانية أكثر الأزمات إلحاحًا في مناطق النزاع في السودان في ظل وجود مئات الآلاف من السودانيين في معسكرات النازحين في مناطق متفرقة من دارفور وجنوب كردفان وآخرون في دول أخرى مثل دولة تشاد كما يوجد عدد كبير من متضرري النزاع يُعتقد بأن هذا الاتفاق لا يلبي أشواقهم وطموحهم في العيش بسلام إذ كان الطابع الغالب على مفاوضات جوبا هو تقاسم الثروة والسلطة لجنرالات الحرب المنفصلون عن هذه الطبقة منذ سنوات بسبب تواجدهم في العواصم الخارجية لفترات طويلة من الزمن وتعتبر أهم الخطوات لتحقيق السلام هو إعادة دمج متضرري النزاع في المجتمع من خلال إنفاذ العدالة الانتقالية وجبر الضرر لتحقيق السلام المجتمعي وتهيئة المناخ للتعايش السلمي.

رفض سياسي وتصدع في التحالف الحاكم

رفض الحزب الشيوعي السوداني أكثر أحزاب التحالف الحاكم تأثيرًا اتفاق جوبا واعتبره إنفاذًا لمخطط الهبوط الناعم وعودة النظام القديم بواجهات مختلفة إذ يرى الحزب في الحركات المتمردة الموقعة على سلام جوبا شركاء لنظام البشير كما رفض الحزب مفاوضات جوبا شكلاً باعتبارها تخالف الوثيقة الدستورية بسبب تدخل مجلس السيادة في المفاوضات وتهميش دور مجلس الوزراء في التفاوض، الجدير بالذكر هنا هو تحالف الحزب الشيوعي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو وتوقيع اتفاق مبادئ مشترك ينص على علمانية الدولة في خطوة يرى فيها محللون محاولة اصطفاف أيدولوجي جديد للحزب، الذي أعلن انسحابه من التحالف الحاكم، ويعتبر الانقسام السياسي الحاد في السودان أكبر العوامل التي ستؤثر في إنفاذ اتفاق السلام، لأنه سيضعف الإرادة السياسية والشعبية لتحقيق السلام الشامل.

أزمة العودة لنظام الأقاليم

نص اتفاق جوبا على العودة لنظام الحكم من خلال الأقاليم، وبالتالي إلغاء الحكم الفيدرالي بشكله الحالي وهو أمر صعب نفاذه على أرض الواقع بسبب تعقيدات جهوية وإثنية كبيرة، فعلى سبيل المثال رفضت مكونات أهلية ومجتمعية في ولاية غرب كردفان ضمها لإقليم جبال النوبة الذي يضم كل ولايات كردفان الأخرى وترفض قيادات قبلية في شرق السودان مسار الشرق وتطالب بالانفصال بسبب تجاوز اتفاق سلام الشرق الموقع بأسمرا في أكتوبر من العام 2006 بين حكومة السودان وجبهة الشرق بقيادة الزعيم القبلي موسى محمد أحمد، ويرى خبراء في الحكم الفيدرالي أن العودة لنظام الأقاليم تحتاج لمزيد من الدراسة كما يجب التدرج في تطبيقها.

التعقيدات الأمنية

شهدت ضاحية شرق النيل في العاصمة الخرطوم الأسبوع الماضي أحداث عنف واشتباكات وإطلاق نار بين طرفين من الحركات المتمردة في سابقة خطيرة، أعادت للأذهان التوتر الأمني الكبير الذي صاحب توقيع اتفاق نيفاشا وينص ملف الترتيبات الأمنية على احتفاظ كل حركة بجيشها وتشكيل قوة مشتركة في إقليم دارفور ومن ثم العمل على استيعاب جيوش الحركات تدريجيًا في الجيش السوداني، وهو الأمر الذي يبدو مستحيلاً إذ فشلت قيادة الجيش في تذويب قوات الدعم السريع في القوات النظامية رغم الانسجام الأيدلوجي ووجود عقيدة قتالية مشتركة نوعًا ما بينهما، وهو الأمر المعدوم تمامًا بين القوات المسلحة والحركات المتمردة، يعقد هذا الوجود المسلح غير المنظم في الفترة الانتقالية من مهام التحول الديمقراطي وتحقيق السلام الشامل في ظل تباين إثني كبير بينها وتاريخ من النزاعات والمظلوميات، وهذا يزيد من احتمال انحدار البلاد لنزاع أهلي واسع النطاق.

عليه فإن أي سلام لا يبدأ بالتوافق الوطني على أجندة السلام من خلال حوارات جادة تحدد القضايا الرئيسية لا يمكن التعويل عليه باعتبار أن التوافق السياسي هو الذي يمهد الطريق أمام وقف النزاع المسلح كما تحتاج القوى السياسية السودانية أن تتفق حول مشتركات وطنية وثوابت الحد الأدنى من أجل تأسيس دولة المواطنة والمؤسسات، كما يجب إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين في هذه المشاورات، أخيرًا يجب طرح إجابات واضحة لسؤال التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية بعيدًا عن الصفقات النخبوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد