يختلف الناس في تقييم بعضهم حسب ما ترسخ لديهم من أفكار ومعتقدات وعادات نشأوا عليها، وقد جرت العادة على أن هناك معايير ثابتة ومتعارف عليها يحكم الناس من خلالها على غيرهم، إلا أن الإسلام يتعارض، بل يشتبك كليًا مع تلك المعايير، وينظر إليها بأنها من موروثات الجاهلية، بل يختط خطًا جديدًا لضبط بوصلة تقييم الآخرين، في هذا المقال نحاول نرسم ملامح المعايير الصحيحة التي رسخ لها الإسلام وكيف وجًة الناس إليها.

يأتي القرآن كأحد أهم روافد الفكر وضبط المفاهيم وتحديد الاتجاهات ليؤصل لتلك المشكلة ويصحح لها البوصلة، وقصص الأنبياء الذي يستحوذ على النصيب الأكبر في السرد القرآني يجسد مشهد المفارقة بين معايير الجاهلية، ومعايير الإسلام، وكيف استطاع أنبياء الله مناظرة قومهم، وكيف ردوهم إلى المعايير الصحيحة وأبطلوا معايير الجاهلية.

أولًا: القرآن الكريم

في قصة نبي الله نوح عليه السلام

دعا نوحٌ قومه وبذل معهم جُهدًا مُضنيًا، إلا أنهم أبوا أن يؤمنوا بالله، وكان من جملة حججهم قولهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) هود، هكذا وسم هولاء الكفار الذين ءامنوا مع نوح بأنهم أراذل لا قيمة لهم ولا شأن لهم ولا منصب لهم ولامال لهم، بل أخذهم الكبرياء بأن يؤمنوا بالله ومعهم هولاء الضعفاء الفقراء فاشترطوا على نبي الله نوح أن يطردهم مقابل إيمانهم بالله، وهم بذلك يجهلون القيم الحقيقية التي يُقًدر بها الناس في ميزان الله، ويجهلون أن مرد الناس كلهم إلى الله.

فكان الرد المنطقي من نبي الله نوح أن هولاء الضعفاء، وأنتم عند الله سواء، وأن الإسلام لا يفرق بين الناس حسب أموالهم ومناصبهم، بل قد يتفضل الفقير الضعيف على الغني القوي بعمله وحسن عبادته لله، وهكذا صحح الإسلام جانبًا من المفاهيم الخاطئة عن تقييم الناس.

في قصه طالوت وجالوت

طلب بنو إسرائيل أن يتعين عليهم ملكًا منهم فعُين لهم طالوت، وكان رجلًا فلاحًا من بيت فقير، فاعترض بنو إسرائيل على اختيار الله لطالوت، وكان حجية رفضهم له أنه ليس غنيًا، وليس من علية القوم، فرد عليهم نبيهم ليضبط لهم معايير تقييم الناس فقال: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء، والله واسع عليم) البقرة، إن عادة الناس تقييم غيرهم بمقدار ما يملكونه من مال، وما يتمتعون به من جاه، إلا أن الإسلام ينظر إلى الأمر ذاته بشكل مختلف، حيث العلم والقوة والحكمة.

وفي هذا الموطن تحديدًا تتعلق المعايير بسياسة أمر الأمة لذا كانت أهم الصفات ترجع إلى أصالة الرأي، وقوة البدن؛ لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لا سيما في وقت المضائق، وعند تعذر الاستشارة، أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش.

في قصة نبي الله موسى عليه السلام

في تلك القصة ترى حتمية الصراع تتجلى بين معايير الجاهلية ومعايير الإسلام في تقييم الناس، فرعون الذي يُمثل معايير الجاهلية كان يعتقد أن صفات من يملك مصر أن يكون ذا وجاهة اجتماعية، ومال وفير، وأنهار تجري من تحته، وله شأن، وفصيح اللسان، لذا فلما أراد أن يقنع الناس ببطلان حجة موسى قال لهم: (أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يُبين) وهكذا تتلخص معايير الجاهلية في عقل فرعون في علو الشأن وفصاحة اللسان.

والجدير بالذكر ما ساقه فرعون من مببرات لعدم تصديق نبي الله موسي قد لاقى قبولًا عند الجماهير الساذجة الغافلة التي رأت أن فرعون الذي له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، خير من موسى عليه السلام الذي معه كلمة الحق ومقام النبوة ودعوة النجاة من العذاب الأليم، وهذا يبدو منطقيًا حيث هناك مساحة مشتركة بين فرعون وقومة ترتكز عليها المفاهيم الخاطئة ومعايير الجاهلية، لذلك استحقوا عن جدارة أن يستخف بهم فرعون لجهلهم (فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قومًا فاسقين).

ثانيًا: في السنة النبوية

تأتي السنة النبوية بأحاديثها لتفصل بيانًا أكثر وضوحًا في الأمر، إلا أننا سنكتفي بحديث واحد، وهو باب عظيم في هذا الشأن، (عن سهل بن سعد الساعدي: مات رجلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ فجعَل أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يُثْنونَ عليه ويذكُرون من عبادتِه ورسولُ اللهِ ﷺ ساكتٌ فلمّا سكَتوا قال رسولُ اللهِ ﷺ هل كان يُكثِرُ ذكرَ الموتِ قالوا: لا قال فهل كان يدَعُ كثيرًا ممّا يشتَهي قالوا لا قال ما بلَغ صاحبُكم كثيرًا ممّا تذهَبون إليه) إسناده حسن.

والمتأمل في هذا الحديث يجد أن النبي ضرب بكل معايير الجاهلية عرض الحائط ووضع لبنة جديدة في منظومة المعايير الإسلامية، كان من أهم تلك المعايير هي كثرة ذكر الموت وترك ما يُشتهي، بذلك يمكن تقييم الآخرين حال وفاتهم بهذين المعيارين.

وعند الحديث عن الناس وتقييم أقعالهم لا يجب أن نمضي هكذا دون معرفة رأى الصحابي المُلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يؤسس منهجًا عظيمًا في تقييم الناس والحكم عليهم، فهو الذي خطب يومًا فقال: (لا يعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة، وكف عن أعراض الناس، فهو الرجل).

بهذه الكلمات قليلة المباني كبيرة المعاني يضع لنا الفاروق أهم قواعد التقييم والحكم على الناس، حيث يرى أن الرجل بحق ليس الذي يُحسن الكلام، وإنما من أدى الأمانة ومنع نفسه عن الخوض في أعراض الناس.

إن الإسلام جاء ليطهر النفوس ويصفي العقول من أفكار ومعتقدات الجاهلية، ويضع حدًا فاصلًا بينه وبينها، ليس على مستوى تقييم الآخرين، وإنما في كل مناحي الحياه، ويظهر هذا الحد باستقراء القرآن ومدارسة السنة ومتابعة أخبار السلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد