توضيحات

لعلك أيها القارئ العزيز كنت مصريًا أو سوريًا؛ فمات قريبك في نكستنا، وربما كنت جزائريًا ومات جدك في ثورة تحرير بلادكم، وربما عراقيًا ومات أخاك في احتلالكم، لعلك من أية دولة حدث فيها أن احتُلت أو قامت بها ثورة على نظام فاسد أو حرب أهلية أو أي كارثة كان عاملها البشر، وبالتحديد، لذة الحكم لدى البشر.. لو أن مبارك اكتفى بما نهبه والذي يكيفيه لقرون، ولو أنه عمل على انتخابات حق ووضع المعارضة في صورة حقيقية، لما حدثت الثورة من الأصل، وما مات آلاف الشباب المصري بسببها، ولو أن اليهود عاشوا بسلام، ولم يطمعوا في حكم العرب لما احتلت الأراضي الفلسطينية وبعدها سيناء والجولان، وما مات مئات آلاف الأشخاص من الطرف الإسرائيلي والعربي، لو أن هتلر أراد أن يصعد بموارد ألمانيا إلى السماء دون احتلالات ومجاعات في ألمانيا بنفسها لفعل؛ لكن كل السالفين وغيرهم من الأمثلة التي لا يمكننا عدها ولا حصرها، لم يريدوا الاحتلال للاحتلال أو الفساد للمال أو النهوض ببلادهم لبلادهم، بل للحكم. يقول وِل ديورانت إنه لولا الاحتياجات لما ظهرت الاحتلالات والغارات، لكن ما احتياج مملكة مثل بريطانيا التي لا يغرب عنها الشمس لمصر الدولة الهزيلة – نسبيًا – معها؟! ما احتياج محمد علي للسودان والشام وكريت وهو لديه مصر بخيراتها الكثيرة؟! هذا الاحتياج عزيزي هو احتياجه للسمو، احتياجه للتحكم، ليشعر بكونه أقوى، بكونه إلهًا بمعنى ما.

الحرافيش وملكهم

لمن قرأ الحرافيش وهي، من نظري، الرواية الأفضل لنجيب محفوظ على الإطلاق، هل أشفقت على فتوة الحرافيش؟! أم حسدته على ملكه؟! في البداية كان الحظ حليف كل فتوة يأتي على الحرافيش لنظرك؛ فكانوا يملكون القوة والشعبية من حرافيشهم، ولهم الفرصة في الغنى وقتما يريدون، والزواج بأحلى الفتيات، وغيرهم من محاسن الحكم. لكن لم أراد كل أبناء الفتوة تباعًا الفتوة؟! لم تكن لديهم محبوبة ولا كانوا يطمعون في الغنى أبدًا، إذن لم كل هذا الإصرار؟! لو قرأت التواضيح في بداية المقال لفهمت على الفور … كانت تحكمهم اللذة … لذة الحكم.

عندما وصف نجيب محفوظ الفتوات كانوا في نظره أقواء أشداء، لا يطيقون أن يقل أحد ما على أحدهم أنه كان ضعيفًا أو أنه لم يعد كفء أو أنه ليس كفء من الأصل … كانوا يختفون تباعًا لذلك، وهذا ينطبق على الحكم عامةً في كل الأراضي … لو قدر لك أن تكون حاكمًا في لحظة من اللحظات على فئة من الفئات وكنت تبذل مجهودك بالفعل وأكثر ثم وجدت آلاف الأشقياء يعبثون بحكمك بغير إرادتك، وعندما تقوم بمقاومتهم على حساب بضع أشياء شعبية تجد الثورات والهوجات عليك وأنت غير كفء ويالك من فاشل وأحمق وغيره، هل لك الاحتمال؟! لو ارتكن أحد الحكام في أحد الأركان يفكر أيٌ خير له، هل سيفضل الحكم العبء على التباعية والنظر كما الطائر الوليد لأمه التي تتأخر عنه في طعامها قليلًا؟ لا عاقل يفضل الحكم ولا فضيلة في هذا العالم تجعلك تتحامل على نفسك، فلنكف عن التمثيل… نحن نحلم أن نكون آلهة طوال الوقت؛ نأمر فنطاع لا الفضيلة تنفعنا ولا الأعباء تمنعنا عن تلك اللذة.. ثم إن العبء لا يتمثل في المثال السابق فقط عند ملك الحرافيش، فكان هناك صراع دائم بين الفتوة والرذيلة.. هل يتخلى عن عمله كسائق، ويتفرغ للفتونة ويحصد رزقه من الضرائب، أم يبقي على عمل أبيه ويعطي الفقير حقه؟ بعيدًا عن رؤية سيادتك لما هو حقه بالفعل في اقتصاد جزء من المال، لكن من نظره كما تربى أن هذا مال الفقراء، وليس من حقه! هنا تقع الشاكلة النفسية .. هل اقتصد لنفسي من مال غيري وأعيش ملكًا، بينما أعطي الآخرون ما لا يكفيهم من سد رمقهم؟ هل تتغلب نفسي الخطاءة على فضيلتي؟ هنا يمر الفتوة (الحاكم) بصراع نفسي دائم بين الفضيلة والرذيلة، فمن نظره، من يجبره على الحكم إن لم يكن الغنى؟ حتى أنا أرى ذلك، إن لم يسرقك الحاكم فأعبده، فبالتأكيد هو إله بشكل ما كي يتحمل نفسه الخطاءة، وكل الأعباء أمام جهلة بصعابه!

هنري الخامس في ساحة المعركة

إذًا على الملك يقع العبء كله، فليضع على عاتقه حياتنا، وأرواحنا، وديوننا، وزوجاتنا، الحزينات، وأطفالنا ، وخطايانا! علينا أن نحمل هذا كله، فياله من واجب ثقيل! إن توأم المجد والعظمة بات خاضعًا لكل عبارة يفوه بها كل أحمق، لا يستطيع أن يحس شيئًا سوى آلام بطنه. ألا ما أعظم راحة القلب، التي حرمها الملك وينعم بها العامة! وهل لدى الملك شيء ليس في متناول العامة، اللهم إلا أبهة الملك، تلك الأبهة العامة، أي شيءٍ أنت أيتها الأبهة التي يعبدها العامة؟ أي نوع من الآلهة أنت يا من تعانين الآلام الفتاكة أكثر مما يعانيه عبادك؟ ما الثمن التي تؤديه؟ وأي مكسب تكسبينه؟ أيتها الأبهة أريني مالك من قيمة! أي نوع من العبادات يتقرب إليك بها؟ وهل أنت إلا مكان ورتبة ومظهر، مما يثير الرهبة والخوف في قلوب الناس؟ ومع ذلك فإن اغتباطك بتلك الرهبة أقل من اغتباطهم هم بخوفك، ماذا عساك أن تشرب بدلًا عن الولاء العذب، سوى الملق المسموم؟

فليحل السقام بك أيتها العظمة الملكية، ثم التمس الدواء من أبهة الملك! أتحسبين أن الحمى المترقدة سينطفئ لهيبها بما يدلي به المتملقون من عبارات المدح الجوفاء؟ هل تهرب الحمى من ركوع الراكعين وسجود الساجدين؟ وإذا استطعت أن تجعلي السائل يجثو على ركبتيه، فهل تستطيع أن تبالي ما بها من القوة والصحة؟ كلا، أيها الحلم الخادع الذي تغرر بالملوك أثناء نومهم، فإني ملك سرعان ما أكشف حقيقتك، وأعرف أن لا الزيت المقدس ولا الصولجان والأكرة، ولا السيف والمخصرة، والتاج الإمبراطوري الفخم ولا الحلة التي أحكم نسجها بخيوط الذهب وحبات اللؤلؤ، ولا ألقاب التعظيم والتزلف التي يخاطبها الملك ولا العرش الذي يجلس عليه، ولا تيار المجد الذي يضرب شواطئ هذا العالم، هذه كلها، وغيرها من عناصر الأبهة والفخامة لا تستطيع، إن اضطجعت في سرير بالغ الروعة والجلال أن تنام ملء جفونك كما ينام العبد الشقي، الذي يذهب إلى مرقده بجوف ملئ وبال خال.

وقد حشا بطنه بالخبز ناله شق النفس. ولا يعرف ما الليلة الليلاء. وليدة الجحيم والشقاء، بل تراه كالخادم، الذي يجري بجانب مركبة سيده، يتصبب عرقًا في حرارة الشمس نهارًا، وفي الليل ينام في جنة النعيم، ولا يكاد يطلع الفجر في اليوم التالي، حتى ينهض، يعاون إله الشمس في إعداد مركبته.

وهكذا تمر به السنون وهي تجري به أبدًا، وهو دائب في عمله النافع، حتى يواري رمسه. فلولا أبهة الملك لكان هذا الصعلوك، الذي يقضي أيامه كادحًا، ولياليه نائمًا أسعد حظًا وأنعم بالًا من الملك، إن العبد له نصيب من أمن الدولة وينعم به، لكن عقله البليد قلما يدرك ما يعانيه الملك من عناء وسهره حتى ينعم البلاد بالأمن والسلام الذي يفيد الفلاح من ساعاته، أجل الفوائد. 

 هكذا قال هنري الخامس في مسرحية شكسبير الخالدة بعدما حاور جنوده متنكرًا بالظلام كأنه واحد منهم، فكانوا يسخفون من الملك، ويلومونه على موقفه الحربي في وسط فرنسا بجيوشه القليلة، ويسبونه، بينما هو في زي الجندي يدافع عن نفسه بأن العيب ليس فيه.. العيب في الحكم.. فهو لا يستطيع أن يحمل على كاهله كل هذه الأرواح!

الطرف الأخير

الحكم جحيم العقلاء.. تحمل عبء فئة.. دولة.. جيش وأسر وطعام وملبس ومشرب، وإلا الثورة. تظهر قويًا وتحارب مصاعب لا يدركها العامة ويلومونك على نتائجها وإلا الثورة. تصارع رذيلتك طوال الوقت وتناقد نفسك وإن انتصرت نفسك فالثورة! والاستفادة؟! أبهة؟! حتى أن في العصر الحالي لم يعد للحاكم أبهة فتجد الشعوب تسخر من حكامها كما لو كانوا عبيدًا.. أريد أن أنظر في عيني كل حاكم في هذا العالم وأسأله.. لم؟! لم تحكم؟! لم تضع نفسك في هذا الجحيم؟!  أعرف أن الإجابات ستكون الصمت، لكن عدم سماعي لصمتهم وحيرتهم، يؤرقني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد