ويا لجميل هذا وحسنه، ولو كان الحكم لنا «للبشر» لاختل كل نظام العالم، ولا يخفى علينا مما نراه أن كثيرًا من الأمور التي يحكم بها الناس ولا عدل فيها، كيف أنها تقوم على العنصرية والتفرقة والظلم، ولا اتزان فيها.

الحكم لله لا يقع على عاتقنا، نحن لنا بالظاهر لا بالباطن وإذا كنا سنحكم على أحد (وأقصد هنا بالحكم الحكم على طبيعة الإنسان لا حكم القضاء) وهناك بعض الأمور التي لا بد من حكمنا فيها لا غنى عن ذلك، فلنحكم بما نراه لا بما نفكر به، وهذا هو الأفضل لنا ولمن نحكم عليه؛ فربما نأذي غيرنا دون علمنا فيكون لذلك الأثر العميق في النفس، ويكون أسوأ من صنعه إذا كان مخطئًا.

ومن أسوأ الأحكام التي نشهدها الحكم على الإنسان في مدى التزامه ورضا الله عنه، أو محبة الله له وإخلاصه لله، أو لدينه، أو لوطنه، أو مدى إنسانيته، وربما في بعض الأحيان نقرر من هو في النار أو في الجنة، هذا الأمر لله وحده ويتخطى حدودنا وإدراكنا، حتى وإن كنت ترى نفسك إنسانًا صالحًا ولا تنس كما قال أحدهم (أنا لستُ صالحًا وإنما مستور) ولا ننس أن الله لم يعط أحدًا مهمة الحكم على صلاح الناس وتقواهم.

ما يليق بنا، وبما أننا نقول إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قدوتنا، أن نتعامل مع غيرنا بما نراه فقط والحكم على الناس ووضعهم في مقامات أو طبقات ليس من أخلاقنا، ولو رجعنا لزمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان الكثير من المنافقين في المدينة حوله، وكان يعاملهم على ما يفعلونه وليس على نواياهم، حتى أظهرهم الله وكشف أمرهم، فالأمر إذن عائدٌ لله وحده وليس لنا.

وكذلك الأمر حتى بالنسبة لغير المسلمين، بل من الأولى أن نتعامل معهم على هذا الأساس؛ لإعطاء الصورة الحسنة عن ديننا، ولا ننس أن

أخلاقنا الحسنة أمام الجميع وليست لأحد دون آخر، لربما أحدهم يهديه الله فيكون مقبولًا ومحبوبًا عند الله أكثر منّا؛ فنحن غالبيتنا مسلمون لأننا ولدنا في بيئة إسلامية ولأبوين مسلمين، ولو ولدنا على غير ذلك فالله أعلم هل سنصل للهداية أم لا، ولكُنَّا مثلهم إلا قليلٌ منا.

وأقرب مثال علينا ما تم حكمه على الدول والأشخاص الذين أصيبوا بفيروس كورونا (كوفيد_19) أنه عقاب من الله، وأنه يصيب غير المسلمين في بداية الأمر.

أولًا: لا نستطيع أن نحكم أبدًا بأنه عقاب من الله للذين آذووا المسلمين وأحرقوهم، ولا أقول ذلك لأن صنيعهم جيد، بل هو شديد القبح والوحشية، وعدالة الله سوف تتحقق فيهم، ولكن أقول ذلك لأنه هل أخبر الله أحدًا أنه أرسل الفيروس عقابًا؟ لا لم يخبر أحدًا؛ لأنه لا يُوحى لأحد منا بعد خاتم النبيين (صلى الله عليه وسلم).

ثانيًا: لو كان كما نقول إنه عقاب، فهو كما رأينا أصاب الجميع المسلم وغير المسلم، الصالح والفاسد، الكبير والصغير غير المكلف أصلًا.

الفيروس يبقى شيئًا طبيعيًّا وسنة تحدث في الحياة كأي سنة من سنن الحياة وتصيب الجميع، وأما إن كانت لهذا عذاب، ولذاك رحمة من الله، فهو أمر غيبي من الصعب أن ندرك مراد الله في ذلك.

أرى أنه من الأفضل في مثل هذه الأمور عدم الحكم، وألا نخوض في ذلك، بل ننتظر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين، ننتظر حتى يظهر الله لنا حكمته في ذلك، ومن الصعب جدًّا أن ندرك حكمته وأن نعرف الخير والشر منه، فالله تعالى يقول: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة».

ربما علينا أن نحكم على أنفسنا أولًا ونحاسبها قبل أن نتحاسب، وأن نقوِّم اعوجاجها، وندلها على الطريق الصحيح، بدلًا من أن نقوِّم الآخرين ونحكم عليهم، ومن منّا ليس بمذنبٍ ولا عاص، ويا لكثرة ذنوبنا وآثامنا، فلربما حكمنا على غيرنا بالسوء وهو عند الله أحسن منا وأرفع درجة، فلننظر إلى أنفسنا وندرك أخطاءنا ونصححها بدلًا من ذلك.

من أعظم نعم الله علينا وفضله أنه جعل الحكم له لا لنا، ولو كان ذلك لاختل نظام الكون ولبغى بعضنا على بعض، ونحن نحاسب غيرنا على أخطائهم ولا نحاسب أنفسنا، فاللهم قومنا وأصلح أمرنا قبل أن تحاسبنا، فنحن المخطئون دائمًا وأنتَ الذي لا تخطئ، والحُكم إليكَ كله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحكم
عرض التعليقات
تحميل المزيد