مدخل للجزء

«يعتبر الإنجليزي جون لوك رائدًا في هذا الشأن حيث قسم السلطة في رسالته (الحكومة المدنية) إلى تشريعية وتنفيذية وفيدرالية. ويقصد بالأخيرة الهيئة التي تتولى الشؤون الخارجية. أما القضائية فاعتبرها تابعة للسلطة التشريعية، لأن البرلمان الإنجليزي كان يقوم بمهام قضائية مهمة.

ثم جاء مونتسكيو واقتبس أفكار جون لوك وأصَّل لنظرية الفصل بين السلطات حيث دعا صراحة إلى الفصل التام بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية…» (مقتطف من كتاب «الرقابة على الحكومة» للدكتور نعمان عطا الله الهيتي – ط.1، 2007، ص 7-8).

يعتبر القضاء جهازًا مهمًا في الدولة، فهو الذي يفصل بين الناس فيما يخص صراعاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وأيضًا هو الذي يعطي لكل ذي حق حقه، وبسبب هذا يقع القضاء بين قوتين متصارعتين وهي قوة الظلم وقوة العدالة، فإما أن يميل إلى هذه وإما إلى تلك، ومحاولة القضاء لأن يبتعد عن الظلم ويقترب من العدل هي المهمة التي خُلق من أجلها، لهذا أعتبر أن السلطة القضائية أهم السلط، واستقلالها يضع الدولة في مصاف الدولة الديمقراطية. لكن ماذا لو كان هذا الجهاز بيد الطاغوت؟ ماذا يمكن أن يفعل به؟ بالطبع سيساهم في استمرار سيطرته.

كيف يساهم القضاء في استمرار سيطرة الطاغوت؟

– إضفاء الشرعية على القمع والاعتقال الذي تمارسه أجهزة الطاغوت من أجل استمرار سيطرته، حيث يقوم القضاء بجعل الطاغوت بعيدًا عن فعل الظلم، حتى وإن مارسه، ليُصبح المظلوم هو المتهم، والظالم محايدًا، وبهذا يكون شرعيًا أن يبقى الناس بعيدًا عن ظلم الطاغوت، لأنه ظلم مقدس، إن وقع على أحد، فإنه لم يقع اعتباطًا وإنما وقع لضرورة أو لحكمة.

إن القضاء في هذا الإجراء يجعل من القمع والاعتقال شيئًا قانونيًا ومشروعًا، فيتحول اسم المعتقل السياسي إلى اسم المتهم الجنائي، لتسقط قيمة ورمزية المعتقل السياسي، ويُمسي كل شخص متخوفًا من مجابهة الطاغوت، خوفًا من تحوله إلى متهم جنائي.

التحكم في القانون لمسايرة هوى الطاغوت، حيث تُطوع البنود التي تهدد استمراره، والتي بقيت من العهد السابق، وذلك بتحويلها إلى بنود مرنة، تتماشى ومطامحه، وتُبرر قانونيًا حتى تُساير ما يرغب في تحقيقه، ولا تعود عائقًا بينه وبين استمرار سيطرته. (قد تلاحظ أن هذا يخص السلطة التشريعية، ولكن تبقى بداية التطويع والتطبيق من شأن القضاء).

يحاول القضاء من خلال هذا الإجراء أن يقفز على مكتسبات الشعب القانونية، ليُرضي شهوة الطاغوت السيطرية، وبذلك يجعل من بقائه بقاءً ممكنًا بل ضروريًا باسم القانون.

– جعل العدل ثمرة من ثمرات الطاغوت، فكل محاكمة تحدث وتكون عادلة في مجملها تُصبح من إنجازات الطاغوت، الذي إما تُفتح الجلسة باسمه، وإما يكون هو القائم الأعلى على القضاء في الوطن المعني، ومن ذلك يربط الأفراد بين العدالة التي يحصلون عليها في المحكمة، والطاغوت الذي لولاه – في اعتقادهم – لما حدثت هذه المحاكمة بهذه العدالة.

إنه إجراء يتلاعب بلاوعي الأفراد، يجعلهم ينظرون بطريقة تفاؤلية للوضع، رغم مرارته، وذلك بعد أن يفكروا في لو لم يكن هذا الطاغوت حاضرًا، لكانت الفوضى سائدة، ولضاعت الحقوق بسبب ذلك، متناسين أن الوضع القائم مزر، وأن الحقوق التي يحصلون عليها فيما بينهم، أقل شأنًا وكرامة من الحقوق التي يجب أن يحصل عليها من الطاغوت.

– جعل الطاغوت شخصًا متعاليًا عن القانون، حيث لا يطوله الحكم، مهما فعل، فهو خارج السياق القانوني، بل إنه شخص متعالٍ، لا يجب على المواطن حتى أن يتجرأ بذكر اسمه (أي اسم الطاغوت) متهمًا داخل المحكمة. إنه القانون، والقانون لا يُحاكم نفسه، وكل من يوجد تحت عباءته لا يتعرضون لذلك. فليفعل الطاغوت ما يشاء، فهو خارج التقييم الذي يميز بين الأفعال الخيرة والأفعال الشريرة، لأن كل أفعاله خيرة، ومن يعارض فسيُعاقب لأنه فعل فعلًا شريرًا، لما كذب أطروحة أن الطاغوت كل أفعاله خيرة بالمطلق.

إنه الفاعل الذي يُرفع دائمًا، ولا يجب أن يُجر، فدمه مقدس وأزرق لا يمكن أن تُصدر ضده أية تهمة مهما كانت، فبوجوده تغيرت الجملة المشهورة قانونيًا «كل متهم بريء حتى تثبت إدانته» إلى جملة «كل متهم بريء كلما تقرب إلى الطاغوت».

خاتمة

إذن حامل الميزان ليس أعمى، وإنما هو دمية بيد الطاغوت، يُظهر نفسه أنه أعمى حتى يكتسب ثقة الناس، ليرضوا بالوضع كما هو، ويعترفوا بعدالة حامل الميزان، الذي وُجد بفضل الطاغوت، الذي توجد بيده كل الوسائل القانونية لعقاب المتمردين، ومكافأة المتملقين.

إن جهاز القضاء لا يزال في طفولته، يعيش على إعالة الطاغوت، فهو لم يبلغ بعد سن الرشد، لهذا لن يستقيل بنفسه، حتى إن الطاغوت لا يرغب في أن يستقيل هذا الطفل المدلل، لأن ذلك سيُهدد مكانة الطاغوت، فإن أصبح القضاء مستقلًا، فهذا يعني أن كل الإجراءات التي ذكرناها سابقًا ستسقط ويُصبح الطاغوت جزءًا ممن ينالهم القانون، مما يعني أنه سيسقط عند الوهلة الأولى التي سيستقيل فيها القضاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد