يختلف الكثير من مؤرخي تاريخ اليابان حول حقيقة بروز رياضة الجودو، متى؟ أين؟ ومن؟ ففي الوقت الذي نجد فيه البعض يشير إلى أنه مقتبس من قتال «الجوجيتسو» الذي نقله الصينيون عن الفراعنة منذ ما قبل الميلاد، حيث كان تلميذ يدعى أكياما أوشيو، وهو ياباني الأصل كان يدرس العلوم هناك، وقد أعجب بهذا النوع من القتال؛ فنقله إلى اليابان؛ وهناك أقبل عليه اليابانيون للتعلم والممارسة، نجد في الوقت ذاته أصوات أخرى تفيد أن الجوجيتسو نفسه ياباني الأصل ولم ينقل عن الصينيين، لكن في كلتا الحالتين نجد أن الجودو مقتبس عن فن الجوجيتسو المعقد.

توالت السنين، وأقيمت المسابقات والبطولات في أرجاء الإمبراطورية اليابانية، خاصة داخل السجون؛ لأن حتمية نهاية القتال كانت تتطلب الموت للمنهزم، إلى أن دخلت اليابان مرحلة الإقطاع، حيث كان لأرباب العمل وأسياد المقاطعات سلطة أعلى من السلطة المركزية من كافة النواحي، فكان لديهم مجموعة محاربين مهمتهم حفظ الأمن والنظام العام، ورعاية مصالح الطبقات العليا، أطلق عليهم اسم مقاتلي «الساموراي». فن الجوجيتسو لم يكن في متناول عامة الشعب؛ فقد كان حكرًا على فئة معينة يتم إعدادها لتكون ضمن ثلة الساموراي، وهنا بطبيعة الحال محاولة لفرض الهيمنة والسيطرة على الطبقات الكادحة. لكن في العام 1873 جاء نظام جديد بديل للنظام الإقطاعي، وأعفى مقاتلي الساموراي من مهامهم، فحدثت بعض الإضطرابات وانقسم الشعب بين مؤيد ومعارض، لكن في الظروف الحالكة هناك دائمًا بعض الأذكياء والمتميزين الذين لا يرون في الليمون حموضة، وإنما عصيرًا حلوًا، هنا ظهر شخص من الطبقة الدنيا كان ملمًا بالآداب والفلسفة وفنون القتال، حاول مرارًا وتكرارًا الاتصال والاحتكاك بأولئك المقاتلين ليتعلم تقنياتهم وأساليبهم وقد كان له ما أراد.

جيجورو كانو.. أب لأكثر من 90 مليون مقاتل!

ولد كانو عام 1860 بضواحي موكو، انتقل إلى طوكيو في سن مبكرة، وهناك أكمل دراسته الإعدادية، ثم التحق بجامعة طوكيو للأدب والفلسفة، وتخرج منها دكتورا، كان لديه حلم أن يصبح رجل سياسة بدافع نشر الخير والسلام للإنسانية، تقلد مناصب عدة، منها مدير جامعة طوكيو ووزير للتعليم. كان لكانو لياقة بدنية عالية جدًا؛ ففي سن الثامنة عشرة حاول استغلال قواه الجسمية من خلال فن الجوجيتسو الذي تلقن بعض مبادئه خارج أسوار القاعات ليلتحق بإحدى قاعات تلقين هذا الفن بنفس المدينة، عام 1880 هو عام لا ينسى لدى اليابانيين خاصة، وهواة ومحترفي الجودو عامة؛ حيث قام كانو بتنقيح الجوجيتسو، والتخلي عن بعض الحركات القاتلة والخطرة، وأخرج مضمونًا آخر وفنًا جديدًا أسماه بالجودو.

في نفس العام أسس كانو الكودوكان، وهي أول مدرسة بالعالم لتلقين مهارات وحركات الجودو، ومعناها (قاعة تعليم القواعد)، يزورها الآن الناس بشتى غاياتهم الرياضية، السياحية، الاستكشافية، وحتى التعلمية؛ من أجل إلقاء نظرة على هذا الصرح الذي غير مجرى حياة اليابانين ونظامهم، الرياضيين وغير الرياضيين. فهو بحق يعتبر الأب الروحي لأكثر من 90 مليون محترف، وهاوٍ لهذا الفن الأصيل (ثاني أكبر رياضة شعبية في العالم). توفي عام 1938 بعد أن فرض الجودو كفلسفة أخلاقية في المناهج التربوية اليابانية، وشاهد توسعه في أرجاء كثيرة حول العالم.

الرموز الأخلاقية.. رأس مال الفرد

الجودو هو طريقة الاستخدام الأمثل لقوة الفرد العقلية والبدنية بالتدريب على فنون الهجوم والدفاع، يستطيع الفرد غرس القيم الروحية والبدنية، وبالتالي الارتقاء بالحواس المستخدمة بهذه الطريقة، وبقوة هذا المعنى يكون الهدف البعيد للجودو وهو بناء الفرد ذاتيًا من أجل الكمال لنفسه والنفع للعالم. (كانو)

الجودو معناه الطريق نحو المرونة.

والجودو باعتباره تقنيات رياضية يمكن القول إنه السيطرة على الخصم، وشل حركته بدل إيذائه. في المسابقات المحلية والبطولات العالمية يكون النزال بين متصارعين اثنين، حيث يرتدي كل منهما بدلة وحزامًا تسمى كيمونو، ويتبارون وفق قواعد وقوانين لا تتغير إلا بإجماع الاتحادية الدولية، وكذلك يدير النزال حكمًا وفق علامات تحدد الفائز من الخاسر، وتعتبر الإيبون بمثابة الضربة القاضية.

أما كونه فلسفة أخلاقية فهو يقوم على دعامتين أساسيتين:

– التعاون والتفاهم المتبادل للوصول إلى سعادة الجميع.

– الاستثمار الاقتصادي والعقلاني للعقل والبدن.

ولعل الرموز الثمانية التي جاء بها كانو توضح الدعامتين أكثر وتقرب المقصد من هذه الرياضة:

1- الأدب (حسن المعاملة): مجموعة السلوكات الاجتماعية التي يقوم بها الفرد تجاه خصمه، أو أيّ شخص كان، وفي أي مجال، ولعل أهمها: الابتسامة وبشاشة الوجه، كلمات رطبة، شكر، ترحيب، لطف واحترام من شأنه أن يبرز تلك الروابط الإنسانية.

2- الشجاعة: هي القدرة على التكيف والتأقلم في كل الظروف والأوضاع، وهذا ما من شأنه أن يجعل الفرد مؤهلًا لفعل ما هو صواب في أحلك الظروف، حتى في وجود عوامل قاهرة، مثل الرغبة، العاطفة، الانفعال والإرهاق الجسدي.

3- الإخلاص: ويعبر عنه بدون تمويه وتلاعب بالأفكار، وهذا يدخل في حسن النية عن التعبير عن العواطف والمشاعر وفقًا للواقع؛ لأنه السبيل الوحيد لإبراز الحقيقة.

4- الشرف: هو احترام الذات من خلال احترام الآخرين والوفاء للكلمة المعطاة لهم، دون تزييف أو تلفيق؛ لأن اكتساب الشرف يمر بمراحل، أولها الثقة، وآخرها الإخلاص.

5- التواضع: هو الحديث عن الإنجازات والنجاحات دون فخر، وإذا تطلب الأمر فحري أن ننسبها إلى الآخرين؛ لأن الإنسان دائمًا في حاجة إلى الآخرين، ونجاحاته مرهونة بمساعدتهم ونجاحاتهم، لذا فعلى الفرد أن يقف على حجر التواضع.

6- الاحترام: لا يوجد ثقة في غياب الاحترام؛ لأن الاحترام جملة السلوكات التي نواجه بها شخصًا لتبيان مكانته وأهميته وصدى تأثيره في أنفسنا، وبذلك تتبادل الثقافات وترتقي الأفكار والأنفس وتنشأ المحبة.

7- ضبط النفس: كل جسم لديه قدرات بدنية يريد التخلص من طاقتها، خاصة في حالة الغضب، لكن هناك بعض الأفراد لديهم قدرات أكبر بكثير من هذه.. إنها القدرة على ضبط النفس والانفعالات، لذا تعتبر أعلى درجات الخلق الإنساني هي كظم الغيظ، أو ضبط النفس في حالات الغضب، فالسيطرة على ردود الأفعال هي معرفة كيف تخرس الغضب.

8- الصداقة: رابطة أخوة ومودة بين شخصين، لا تعترف بالعرق أو الجنس أو الانتماء، ولا تقوم على مال أو نسب أو رغبة جنسية، هي أرقى مشاعر الجنس البشري، وأنقاها لنشر ثقافة التسامح والتعارف بين الشعوب والحكومات في مختلف أنحاء العالم.

كانت هذه الرموز والشفرات التي قدمها كانو في الكودوكان لتلاميذه الأولى والأخيرة والدافع الأساسي لما هي عليه دولة اليابان اليوم، فالقوة ليست كل شيء. النفس المهذبة والعقل الغني هما القوة حسب كانو؛ لأنهما يمثلان القوة الضاربة والحصن المنيع للمجتمعات، هكذا تربى المجتمع الياباني، وهكذا استمد قوته، وهكذا بلور ثقافته وهويته ووطنيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موقع الإتحاد الولي للجودو
عرض التعليقات
تحميل المزيد