تقع «مائدة يوغرطة» في مدينة «قلعة السنان» على الحدود التونسيّة الجزائريّة، مختفية عن الأنظار بين جبال ولاية الكاف الشامخة شمال غربي البلاد التونسية.

وعلى ارتفاع أكثر من 1271 مترًا عن سطح الأرض، ومساحة تمتد لـ 80 هكتارًا (800 ألف متر مربع)، تتواجد هذه الصخرة الضخمة المتناسقة على الجوانب على شكل طاولة، وهو ما جعل سكان المنطقة الأوائل يطلقون عليها «المائدة» أو «الميدة» باللغة المحلية. تحيطها غابات الصنوبر وحقول القمح وأشجار الكروم حيث تكتسي خصوصا في فصل الربيع اللون الأخضر وقوس قزح من ألوان الورود وتفوح منها خلطة من روائح الزعتر والإكليل والورود مما يجعلها متعة للزائرين.

أما اسم «يوغرطة» فنسبة إلى قائد مملكة نوميديا، الذّي احتمى بهذه الصخرة طيلة عام من قبضة الرومان.

عند تسلق مائدة يوغرطة من المدخل الوحيد لها وهو عبارة عن درج في ممر ضيق جدًا متكوّن من 150 درجة، فإنه يصبحُ من السّهل إلقاء نظرة من على سطحها على المدن الحدوديّة، سواءً من جهة تونس أو الجزائر وسلسلة الجبال المحاذية لها وعلى سطحها تضم خزانات مياه، سواء للدواب أو للإنسان، وبها مساكن نوميدية تعود إلى أكثر من 2000 سنة، كما بقيت أيضًا بنفس آثارها ومعالمها من مغارات، اختبأت فيها جيوش يوغرطة النوميديّة، فضلًا عن المعبد، ومقام لأحد الأولياء الصالحين، وهو دليل على تعاقب العديد من الحضارات على هذا الجبل.

وللمائدة تاريخ عظيم من مملكة نوميديا واحتماء الملك يوغرطة فيها الى الحراك المسلح ضد الاستعمار الفرنسي لتونس والجزائر في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حيث احتمى بها المجاهدون أو«الفلاقة» بالعامية التونسية والجزائرية.

قصة القائد يوغرطة الشهيرة

يوغرطة (أو كبير القوم باللغة الأمازيغية)، ولد عام 160 قبل الميلاد وكان ملك نوميديا وهي مملكة أمازيغية عاصمتها سيرتا (مدينة قسنطينة الجزائرية حاليا)، يرجح أنها تأسست سنة 202 قبل الميلاد، وامتدت من غرب تونس الحالية إلى جزءٍ من المغرب الحالي، أي إلى وادي ملوية، وجزء من ليبيا الحالية، حتى حدود إقليم برقة، وتعتبر من أشهر الممالك القديمة للأمازيغ وأكثرها قدمًا.

امتاز في شبابه بقوته البدنية وملاحة وجهه ولا سيما ذكائه، ولم ينقد إلى حياة الترف والتراخي لكنه درج على عادات قومه. مارس الفروسية ورمي الجريد ومباراة أقرانه في سباق الخيل ورغم تفوقه على الجميع لم ينقص ذلك من احترامهم وحبهم له، وقد كان يقضي معظم أوقاته في القنص، وكان أول من جرح أسدا، وكان يعمل كثيرا ويتكلم قليلا. كان يوغرطة ذا تأثير بين قومه فحاول عمه الملك أن يتخلص منه فأرسله إلى حصار نومانتيا في إسبانيا سنة 134 قبل الميلاد ليخوض الحروب هناك مع الجيوش الرومانية. برهن حينها عن شجاعة فائقة في القتال وعن حكمة في إسداء المشورة، وقد ساعد هذا يوغرطة أكثر مكونًا علاقات جديدة وأخطر مع شيوخ روما الذين أقنعوا مكيبسا بتبني يوغرطة أخيرا سنة 120 قبل الميلاد ليتقاسم الحكم مع حفصبعل وعزربعل أولاد عمه.

لم يعجب يوغرطة أمر تقسيم المملكة فأراد توحيد نوميديا من جديد وتخليصها من النفوذ الروماني، فقام بحصار سيرتا عاصمته آنذاك ولولا تدخل الرومان لاستولى عليها.

عند وفاة مكيبسا، قام يوغرطة بقتل حفصبعل بسبب خلاف بينهما فتقسمت البلاد من جديد وأخذ يوغرطة الجزء الغربي من نوميديا ولكن ما لبث أن هاجم النصف الشرقي واحتل سيرتا وقتل عزربعل وأتباعه في أسوار المدينة سنة 113 قبل الميلاد وأعلن عن توحيد نوميديا وعن عاصمتها سيرتا.

قتل يوغرطة التجار الرومانيين ففزع الرومان لهذا وعرفوا بأن يوغرطة يتحداهم ويريد تأسيس مملكة نوميدية قوية، أعلن بعدها يوغرطة حربه على الرومان وأصبح يفتح المدينة تلو الأخرى مما أخافهم. عندها وجه يوغرطة نداءه إلى جميع النوميديين ليقاوموا الخطر الذي يهدد بلاد الأمازيغ. كان بوكوس ملك موريتانيا القديمة أبو زوجته في عداد الذين لبوا نداءه ضد الرومان فتعززت قوة يوغرطة وشكل بذلك خطرًا داهما على روما، لم يستطيع الرومان دخول سيرتا فانتقموا من سكان الأرياف بذبح جميع من يستطيع حمل السلاح فيهم.

ولقد استمرّت فترة المقاومة الأمازيغيّة للرومان سبع سنوات هرب يوغرطة وتحصن بالمائة مدة عام كامل تكبدت فيها روما خسائر كبيرة في محاولتها لتسلق الجبل وكسر دفاع يوغرطة وجيشة. إلا أن الأخير تعرض للخيانة من قبل أبي زوجته بوكوس وفي روايات أخرى يقال إن جنديًّا رومانيًّا كان يتجول حول المائدة ووجد فلًةٌ بين الصخور تمكن بها من الصعود إلى السطح وأعلم القائد غايوس ماريوس القائد الروماني الشهير الذي حاصر يوغرطة طول هذه المدة.

كانت النتيجة إلقاء القبض على يوغرطة وقتله مع ابنيه وبقية الصخرة تروي نضالا أربك الرومان، وكُرم القائد يوغرطة من أبناء شعبه بتسمية المائدة باسمه.

101416_1036_2.jpg

لوحة تبين القبض على يوغرطة بريشة Joachin lbarra

مائدة يوغرطة في التاريخ الإسلامي

توالت على المائدة عديد الحضارات بداية من الفتح الإسلامي عن طريق العبادلة السبعة بقيادة عبدالله بن جعفر وتوجد علامة أمام المدرج يقول البعض أنها علامة حافري حصان وضربة من سيف هذا الصحابي الجليل كما جمع بعض الباحثين الخزف المتواجد بالمائدة وبالقرب منها وصنفوه فكان تاريخه يعود إلى عصر الفتح الإسلامي، وعصر الدولة الأغلبية، وعصر الدولة الفاطمية، عصر الدولة الصنهاجية، عصر الدولة الحفصية وصولا إلى الدولة العثمانية البايات والدايات.
فبداية من العصر الإسلامي سميت قلعة بُسر نسبة إلى بُسر بن أرطأة وذكر ذلك القاضي النعمان في كتاب «افتتاح الدعوة» ثم تلتها ثورة «صاحب الحمار» والحمار تم إهداؤه من أهالي قلعة سنان لمخلد بن كيداد الخارجي نسبة للخوارج.
كما يوجد مقام مزار يقال أنه لصحابي استشهد أثناء فتح قلعة سنان ويعرف باسم سيدي السحبي.

وقد وصفت في كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري كما يلي:
»وبالقرب منها على مسيرة يوم قلعة سنان وهي قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال، ليس في رأسها ماء إلا المطر، بها خمس مواجل نقش في حجر، وهو جبل يقصر سهم العقار عن الوصول إليه، ويرتقي إليها من سلم نقر في حجر طوله مائة وتسعون درجة، بأسفلها قصبة بها عين ماء، وبها فواكه وثمار».

مائدة يوغرطة في الحاضر

تعتبر مائدة يوغرطة ذات رمزية كبرى، تكمن في أن هذه المنطقة هي بالأساس منطقة ثرية بالتراث إلى اليوم، وهو باد على أهلها سواء من خلال الشعر الملحن، أو في اللباس، والسكن. وهي الواجهة السّياحية لمنطقة قلعة السنان، وهي المشهد السياحي الجميل لها، يجب أن تكون هناك عناية أكبر بها حتى تكون لائقة ومناسبة لاستقبال الزوار والسّياح وهناك العديد من الجمعيات المحلية والجهوية مثل جمعية يوغرطة تقوم بتنظيف المغارات الموجودة بالمائدة حتى تكون مناسبة لاستقبال الأنشطة، إضافة إلى تهيئة الموقع مما يخلق فرص عمل بسيطة لأهالي المنطقة والقيام بنشاطات ومعرض للحرفيين لاستقطاب السياح وإعطاء لمحة على أهمية المنطقة التي تشهد تهميشًا من قبل السلطات التونسية إضافة الى تهميش السياحة الداخلية في تونس التي تعتبر ثرية بالمواقع التاريخية والطبيعية على غرار مائدة يوغرطة.

مائدة يوغرطة معلم يجمع بين التاريخ والموقع الجيوستراتيجي والأحداث التّي عرفتها المنطقة الحدوديّة، وهي معلم فريد من نوعه في أفريقيا يستحق أن يهتم به ليصنف تصنيفًا عالميًا في اليونسكو، وهو ما تعمل عليه الجمعيات والمجتمع المدني في المنطقة.

وتبقى مائدة يوغرطة واقفة شامخة تروي لزوارها قصصًا وعِبرًا لأجيال وأجيال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد