840

لم يجد اليهود من حيلة يدعمون بها فكرة الشعب المختار إلا ادعاء تفردهم بالنبوغ والنباهة، وأن الله اختصهم بتلك الملكات الفذة، لهذا تحقد عليهم الأمم ولا تفتأ تعاديهم، فإلى أي حد تصح تلك المزاعم؟، وهل حقا أن النبوغ حالة خاصة بهم لوحدهم، جبلوا عليها دون سائر الأمم؟

النبوغ ملكة ربانية تظهر على فرد فذ من جماعة كثيرة، ومن المبالغة أن نطلق صفة النبوغ على جماعة لمجرد أن نبغ فيها فرد، بل ندعي أنه طبع متأصل فيها دون غيرها من الجماعات الإنسانية، ولم يذكر التاريخ جماعة تميزت بملكة وكان دينها مفسرًا لذلك النبوغ وتلك المواهب، لنأخذ شعبًا مثل اليابان هل يعود نبوغ أفراده إلى دين أو اعتقاد؟، بالعكس تعد اليابان من الدول العلمانية.

إسرائيل كذبت مرتين المرة الأولى حين ادعت أن النبوغ خاص بهم، والمرة الثانية حينما أرادت أن تبرر لفكرة الوطن القومي بذلك النبوغ، فالإسرائيليون يزعمون أن الأمم تضطهدهم من أجل نبوغهم فلا بد من وطن قومي يقيهم غائلة الاضطهاد والحسد والغيرة وكل مناجزة ومحاربة للإسرائيلية مؤذنة بانقراض النبوغ البشري.

هذه بعض الأرقام والإحصائيات التي يحتج بها اليهود في تفسير نبوغهم:

حاز اليهود 194 جائزة نوبل من مجموع 871 جائزة ممنوحة وهذه بقية البيانات: فيزيولوجيا وطب 55 من مجموع 204 وهي تمثل26.5%، علوم اقتصادية 29 جائزة من مجموع 69 وهي تمثل 41% من الجوائز، الفيزياء 52 من مجموع 193 وتمثل 26%، كيمياء 36 من 160 جائزة وتمثل 22%، منها ثلاث منحت سنة 2013، آداب تحصل اليهود على 12 جائزة من مجموع 108 وتمثل 11%، أما في ميدان السلام فلم يكن نصيبها سوى تسعة جوائز من مجموع 101 وتمثل 9% وهي أضعف نسبة بالنسبة للميادين الأخرى، أما يهود الولايات المتحدة الأمريكية فتحصلوا على 69 جائزة وتمثل 32% من جملة الجوائز الأمريكية.

هذا إذا تذكرنا أن عدد اليهود 12 مليونا ويمثلون 0.2% من مجموع سكان العالم (7 مليار) لا شك سيبدو عدد الجوائز رقما خارقا يقر لهم بالنبوغ بين الأمم والملل.

من يرى تلك الأرقام لا يعتريه شك في نبوغ اليهود واستئثارهم بالملكات وربما ينبري لكل من يناهض السامية، قد تكون هذه الأرقام على درجة من الصحة ولا أحد بقادر أن يفندها ولكن هل الاحتكام إلى تلك الجائزة هو مقياس علمي تقاس به نباهة الشعوب أو الطوائف؟

صحيح أن عدد المسلمين الذين تحصلوا على جائزة نوبل قليل (أربعة جوائز) وقد يبدو الرقم هزيلا إذا ما قسناه بما تحصل عليه اليهود، وليس يرجع هذا إلى قلة المهارات والملكات لدى المسلمين، بل لأن هذه الجائزة مسيسة ترفع قدر شعوب وتحط من شأن شعوب أخرى.

لا شك أن فوز مسلم يرفع أسهم وطنه ويسلط الضوء على دينه، وهذا ما لا ترغب فيه الأمم التي تعادي الإسلام، لننظر متى تحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب، تأخر في الحصول عليها سنوات ليس لعقم اللغة العربية وعجزها في إبلاغ صوتها، فعمليات الاستشراق قد بدأت منذ القرن الثامن عشر وما عاد شيء من الأثار الأدبية خافيا على المستشرقين، ولكن تأخر فوزه لأنه لم يكن من الصالح بزوغ اسم عربي خاصة في ذلك الوقت الذي كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد مشاحنة بين العرب وإسرائيل.

ليس النبوغ حكرا على ملة أو طائفة دون غيرها بل ملكة ربانية تمنح  بلا استثناء أو تمييز، لكن الذي جعل تلك المواهب والملكات تظهر على اليهود هو تعامل حكوماتهم مع  الأفراد خاصة النجباء والنابهين وهذا ما لا نجده في الدول العربية المسلمة، فإن كانت الحكومات الغربية لا ترى ضيرا في احتضان النابغين وتبجيلهم، فالنوابغ في أوطاننا يلقون العنت والتجاهل لأن ظهورهم يهدد بقاء الحكام، من منا لم يسمع بشخص في وطنه توصل إلى اختراع أو إنجاز وحينما ذهب إلى أصحاب الشأن تلكؤوا في العناية به وربما استهانوا باخترعه حتى نفض يده منه؟

إذا ما أردنا أن نتحدث عن نبوغ يجب ألا يغيب عن أذهاننا براءات الاختراع وهي قوانين تحفظ حقوق المخترعين، دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية تمثل مناخا ملائما لبيع الاختراع وتسويقه فضلا على رأس المال الذي يجده المخترعون بنسب فائدة منخفضة، شخص مثل توماس إديسون صدرت له 1093 براءة اختراع في الولايات المتحدة وهو رقم قياسي قد لا نجده في الدول العربية مجتمعة.

وميزة الولايات المتحدة ليس فقط في البراءات التي تقدمها، ولكن في تعاملها الديمقراطي مع المخترعين فكانت تتعامل بلا تمييز وتوفر رؤوس الأموال لكل الشرائح، والجامعات الأمريكية اليوم تقدم تعليمًا مفتوحًا ونجاح الطالب مرتبط بالاختراع الذي يتوصل إليه.

إن التعليم النمطي والتقليدي في البلدان العربية لا يساعد على ظهور أجيال خلاقة مبتكرة لأنه يتبع منهجا ضيقا في تلقين المعلومة لا يتجاوزه، وهذا التعليم قادر على إفراز دفعات متوسطة لا غير لأن المنهجية ضيقة، وما فهمته الولايات المتحدة الأمريكية قبل قرنين لم تفهمه الدول العربية حيث إن بين عامي 1820  و1845 قرابة 40% ممن تحصلوا على براءات الاختراع في الولايات المتحدة لم يجاوز تعلمهم المرحلة الابتدائية، وهذا ما لا نجده في الدول العربية.

لو سلمنا بمزاعم اليهود وأباطيلهم وأقررنا أن سر كراهية الأمم لهم حديثا نابع من الغيرة لما حققوه من اختراعات، كيف نفسر إذا نفور الأمم منهم في الحقبات السابقة والعصور المنقضية حيث لم تكن اختراعات تنسب إليهم؟، لنأخذ عصر محاكم التفتيش  في إسبانيا فقد حرمت الكنيسة الكاثوليكية زواج اليهود من المسيحيين وقصرت علاقاتهم على المبادلات الاقتصادية وسيبلغ الكره غايته مع سنة 1312، حيث أصدر مجمع زامورة zamora فتاوي وقرارات أهمها منع اليهود تناول الطعام مع المسيحيين وإجبارهم على حمل شارة تمييزية.

رغم أن الإنسانية لم تعرف في تاريخها تعايشا بين الديانات كما عرفته في الأندلس، إلا أن التحولات الاقتصادية كانت تهز استقرار ذلك التعايش، وكان المسيحيون يرون اليهود سبب بؤسهم وفقرهم، وهناك صورة نمطية تشكلت لدى المسيح حول اليهود فهم يسمونهم مقرضي المال وهذه الصورة نجدها حتى لدى الأدباء فدائما يصورون اليهود تجارا، ونجد هذه الشخصية اليهودية لدى شكسبير من خلال شايلوك ذلك المرابي اليهودي في قصة تاجر البندقية، وتتلخص القصة في الشاب بسانيو الذي يحتاج قرضا فيعرفه صديقه أنطونيو على شايلوك اليهودي الذي يوافق على استدانته بلا فائدة ولكن بشرط، والشرط يتمثل في أن يقتطع شايلوك رطلا من لحم بسانيو إذا جاوز الأجل، وكان شايلوك يحقد على المسيحيين خاصة بعد زواج ابنته من لورنز المسيحي، وسنجده في محكمة فينسيا يصر على تنفيذ الشرط.

شايلوك أنموذج مصغر لشخصية اليهودي الجشعة والشرهة التي تحرص على المال ولا غرابة أن تصبح كلمة يهودي تطلق على كل شخص متحجر القلب، ويبرز نفوذ اليهود في التجارة حينما استعان بهم نابليون بونابرت لتأمين التجارة في الشرق الأوسط وشجع هجرة اليهود من فرنسا إلى فلسطين، ونابليون كانت له رؤية ثاقبة ويمكن الرجوع إلى تلك الواقعة لتبرير وجود اليهود اليوم وهو الاستحواذ على الطرق التجارية وليس دعوى عقائدية كما يزعمون، ولا ريب أن تدميرها يمر عبر مقاطعتها والتضييق على مبادلاتها التجارية

لم تكن شخصية التاجر الوحيدة التي تميز بها اليهودي وعرف بها على مدى العصور، بل نجد أيضا اليهودي الكاهن والساحر وظلت شخصية الساحر تحيا عبر جميع العصور الإسلامية لا يخلو منها بلاط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك