كانت ذكرى ليلة الانقلاب الفاشل على الديموقراطية التركية، كانت ساعات عصيبة في يوم الجمعة الموافق 15 يوليو (تموز)، كانت محاولة انقلاب تمت السيطرة على قناة TRT التليفزيون الحكومي التركي وتم إجبارهم لإذاعة خبر الانقلاب المشئوم والسيطرة على الدولة التركية، تم قصف مقر إقامة الرئيس رجب طيب أردوغان بالطيران، لكنه قد غادر المقر قبل القصف بوقت قصير.

تزعم الانقلاب بعض من قيادات سلاح الجو التركي التابع لفتح الله غولن القابع في أمريكا في ولاية بنسلفانيا، استطاع الرئيس أردوغان أن يتواصل مع الشعب التركي عبر مذيعة في قناة معارضة عبر سكايب في أقل من دقيقة تغيرت معها كل الموازين. وكانت لتلك الإطلالة أثر السحر في تغيير مسار الانقلاب، وخروج الشعب التركي، استجابة لنداء الرئيس الواثق والهادئ، رغم ضبابية المشهد السياسي وخطورة الانقلاب. 

خرج الشعب التركي في مواجهة مباشرة مع الدبابات بعد قطع الطريق بين الطرف الأوروبي والطرف الأسيوي عن طريق السيطرة على جسر البسفور. كان من أهم من أسقط الانقلاب هو رئيس المخابرات الذي يمثل الذراع الأساسي للسيد أردوغان. خرج الشعب التركي يدافع عن حريته بعد أن ذاق مرارة الانقلابات ودفع ثمنها من أرواح أبنائه.

سقط من الشهداء 90 شهيدا من بينهم مدنيين ضحوا بأرواحهم في سبيل استقرار دولتهم. وتيقن الشعب التركي أن مرور هذا الانقلاب يعني ضياع دولتهم بلا عودة. انتقدت المعارضة التركية الانقلاب ووقفت ضده موقفًا واضحًا رغم شراسة المعارضة التركية إلا أنهم ضد الانقلاب لما يعلمون أن الانقلاب لن يأتي بهم بديلا عن أردوغان ولن يبقي لهم دولة يحكموها.

سيطر الشعب التركي على مطار أتاتورك ولم يسمح بهبوط أو طيران في المطار بعد أن استولي الانقلابيون على أبراج المطار و أفسدوا كل مخططهم. كان يوم الانقلاب يوما عصيبا لكنه لم يستمر أكثر من 15 ساعة مرت علينا كأنها دهرا كاملا.

الشرطة التركية كانت في المواجهة المباشرة مع العناصر العسكرية التي قامت بالانقلاب.يوم تجمعت فيه إرادة الشعب التركي كله مؤيد ومعارض كان الجميع يبحث عن وطن مستقر من دون البحث عن تصفية حسابات سياسية في موقف يخسر فيه الجميع.

إن أحداث الانقلابات الخمس السابقة كانت تمر أمام الشعب التركي لأنها كانت ذكريات دامية مؤلمة. لم يتردد أحد من الشعب التركي في التضحية مقابل حرياتهم وحرية وطنهم واستقراره. اهتزت جميع مساجد تركيا بالتكبير ولم تتوقف عن الدعاء، وكأنما الأصوات الجميلة التي تهتز بها أركان تركيا هي أصوات من السماء، كانت أصوات المساجد تبكيك فرحا وتبعث بالأمان من فوق المآذن التي تعانق سماء تركيا الصافية.

وبعد الانتصار بدحر الانقلابيين وفرحة عامرة في كل ميادين تركيا الرائعة، كانت جميع المواصلات بالمجان لمدة شهر كامل، هدية رمزية من الحكومة التركية، وابتهاج بالفرحة العامرة والغامرة، التي غمرت قلوب المستضعفين من كل بلدان العالم الذين سكنوا تلك الديار الآمنة، بعد أن فقدوا الأمان في بلدانهم المقهورة تحت سياط الظلم والاستبداد والقهر والتجهيل والقتل.

كانت الحاضنة الشعبية للتغيير الذي حدث في تركيا هو أهم عناصر ارتكاز فشل الانقلاب فلقد تعلم الشعب الدرس ودفع الثمن غاليا. جميع القوى السياسية التركية اتفقت أنه لا عودة للانقلابات في تركيا ولا يمكن قبولها.

وفي مصر أيضا ربما سيكون هذا الانقلاب هو الانقلاب الأخير ولا انقلابات بعده، لقد دفع الشعب المصري كله ثمنا لحريته، ويوم أن تأتي هو اليوم الذي ستقف فيه كل مكونات الشعب المصري ضد أي انقلاب لاحق.

إن للحرية ثمنا كبيرا ولا بد أن يدفعه الجميع، وبعدها يكون الانتصار. ولأنني عشت تلك الأحداث فإني أذكرها لحظة بلحظة ولم أكن في حاجة للبحث عن مصادر لكتابة تلك السطور لأسجل جزءًا صغيرًا من زاوية الانقلاب الفاشلة، متمنيا الرغبة في عدم رؤية مثل أحداث هذا اليوم، وأن تستقر بلادنا لتنعم بالحرية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انقلاب تموز

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد