“المسألة الشرقية” هو المصطلح الذي أطلقه أوروبيو القرنين التاسع عشر والعشرين على خطط تقسيم إرث (رجلهم) العثماني المريض الممتد نحو أوروبا أساسا عبر البلقان ونواحيها، وهو ما بدا حينها حربا دينية مقدسة جديدة. عدا أن أغراضا استعمارية بحتة سعت نحو السيطرة على مراكز الثروة عبر أراضي الإمبراطورية العثمانية هي ما حركت الرأسماليين الأوائل لخوض ذلك الصراع الناعم. (اعتمدت أوروبا سلاح معاهدات الامتياز الاقتصادي لمراكز الثروة بدلا من البنادق سلاحا أساسيا في تلك المعركة، امتياز حفر وتشغيل قناة السويس مثالا).

العام1830 يبعث محمد علي باشا والي مصر الجيوش بقيادة ابنه إبراهيم باشا للإغارة على الشام بادئا ما أرادها مملكة عربية موحدة خاضعة لحكمه وأسرته من بعده، تفزع أسطنبول و تتوسط أوروبا ، تنتهي مغامرة محمد علي سريعا كما بدأت بتوقيع اتفاقية لندن 1840 التي قضت بتخلي محمد علي نهائيا عن أي توسع محتمل لتنتهي بذلك ماعرفت لاحقا بـ”المسألة المصرية”.

جمال محمود حمدان هو الاسم الكامل لعميد الجغرافيين المصريين المعاصرين من حيث كون الجغرافيا “علم خلق الإنسان في المكان”، وهو أبرز من أرسى تشريحا دقيقا  للجغرافية المصرية، تشريحا ممددا على صفحات مؤلفه “شخصية مصر” الذي أعلن فيه عودة المسألة المصرية بقوله: (الاقتصاد هو الشكل الجديد للمسألة المصرية).

الاقتصاد إذن هو جوهر الصراع السياسي المصري المعاصر المؤرخ منذ سقوط الملكية 23يوليو 1952م. وفي الفصل الأول من المجلد الثالث لـ”شخصية مصر”، المعنون بخريطة الاقتصاد المصري، يروي حمدان رحلة يوليو الاشتراكية، منذ النشأة وحتى أوائل التسعينات.

1952: الضربة الأولى

وجهت ضربة يوليو المبدئية نحو تحالف الإقطاع والرأسماليين ليحل محله بشكل تلقائي ومؤقت تحالف العسكريين والمثقفين من أبناء الطبقتين البرجوازية والوسطي عموما. ولأن طبقة الاقتطاع تركزت أساسا على ملكية الأراضي، فكان منطقيا أن يكون تأميم الأراضي هو أول خطوات يوليو، تلاه تأميم رأسماليات المدن، وقد كانت نتائح ذلك في حينها واضحة وحاسمة.

الستينات: انتكاسة

إعلان ورثة يوليو حرفيا إفلاس التجربة الاشتراكية، وانتهت دراسة لاحقة لقوانين يوليو نشرت عام 1973م إلى أن  تاثير يوليو لم يتعد الاستبدال بـ 30% من الأفراد غيرهم، دون تحقيق أي قدر يذكر من عدالة التوزيع، كان ذلك نتيجة انحسار رتيب للقوى التقدمية مقابل نمو سطوة الرأسمالية المحلية أو رأسمالية الدولة، المحصلة لم تكن اشتراكية أو تحولا اشتراكيا، ولكن رأسمالية دولة تعتمد على قيادة (النخبة) البيرو- تكنوقراطية بشقيها المدني والعسكري.

السبعينات: الانفتاح

دخل رأس المال الأجنبي من نافذة الانفتاح بعد أن خرج من باب التأميم. فتح الباب على مصراعيه لرأس المال الأجنبي ومساهمة البنوك الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات في كل المجالات بدء من الصناعات الا ستهلاكية والوسيطة حتى العقارات واستصلاح الأراضي والاستيراد والتصدير. تم إطلاق حرية رأس المال والربح الفردي بلا حدود بدعوى الانفتاح. ازداد نفوذ الرأسمالية الدولية وفي أحضانها ترعرعت الرأسمالية المحلية التي اكتمل رسوخها مع نهاية السبعينات، حيث بدأ يتضح الخط الاقتصادي ليوليو على أنه انتقال من رأسمالية الدولة في ظل اشتراكية زائفة إلى رأسمالية فردية مباشرة بزعم الانفتاح.

الثمانينات: اقتصاد معتل

اقتصاد بلا هوية يجمع – في واحدة من متناقضات مصر الفذة – بين قهر النظام الشرقي الاشتراكي السياسي وفوضى الطبقية الرأسمالية. تأسست ملامح المجتمع الطبقي مع بروز خصائص مستقلة لكل طبقة، ونشأ بين الطبقات صراع طبقي يدار عبر حرب رفع الأسعار من الكل على الكل من مختلف الطوائف والمهن والشرائح الحرفية فالكل يسعى للبقاء والارتقاء على حساب الكل. خلقت عائدات المصريين العاملين بالخليج تيارا استهلاكيا جارفا كماليا ومترفا لا مبرر له سوى النهم الطبقي، ولوحظ نفس الشيء على الإنفاق الحكومي الذي وصف بـ”الاستعراضي”.

(زادت في الفترة 1974 – 1980 الوارادات من الساعات والسجائر والأثاث 10 مرات ومن الأطعمة الفاخرة 18مرة، بينما زادت نسبة محلات السوبر ماركت20%).

التسعينات والعقد الأول من الألفية: الفقر

تضاعف الفجوات بين الطبقات بشراسة، تم تكسير عظام الطبقة الوسطي وسحق الفقيرة نهائيا . توحشت أطماع الطبقة الرأسمالية واستخدمت لعبة مضاربات رفع الأسعار كلعبة خبيثة لإعادة توزيع الدخل لصالح أصحاب الدخول المتغيرة على حساب الثابتة، فما يبدو أنه غلاء يصيب الجميع لم يتحمل عبئه، سوى أصحاب الدخول الثابتة. شملت مضاربات رفع الأسعار السلع الاستهلاكية الغذائية والمنسوجات، وأيضا مواد البناء الحديد والأسمنت والعقارات والأراضي. انهيارات في الخدمات العامة التي بدأت تنتهي صلاحية الواحدة منها تلو الأخرى حتى بتنا نحيا في مجال الهيكل التحتي على إرثنا من القرن الماضي. ازداد الأغنياء غنى، والفقراء فقرا، وضربت الفوضى كافة عناصر الاقتصاد الأجور والدخول والأسعار. اختزلت مصر في كونها الدولة المشكلة التي لا تعرف كيف تطعم أبناءها دون معونات خارجية، أصبحت مصر رجل العرب المريض.

يناير 2011: ثورة

يقسم حمدان رحلة يوليو الي قسمين: أولهما الانطلاق، والآخر يسميه الانزلاق. فبينما بدأت المرحلة الأولى بتأميم يهدف إلى إنشاء قاعدة اقتصادية قوية يقوم عليها الاقتصاد الوطني، فقد شهدت المرحلة الثانية إنهاء للبناء الاشتراكي للأبد وتدشين عهد إقطاعي جديد.

يصف حمدان انقلابات يوليو الاقتصادية العنيفة تلك بالبديهية؛ لأن “حركة الجيش – أي جيش لا يمكن أن تعطي إلا انقلابا عسكريا و(حكم العسكرتاريا ) كنظام هرمي تسلسلي صارم في داخله أي طبقي بالضرورة لا يمكن أن يولد اشتراكية حقة، وإنما اشتراكية وطنية على نحو ما عرفت ألمانيا النازية”.

لعل أخطر ما قامت به يناير2011 هو استدراجها للعسكريين من مقاعدهم الخلفية نحو الواجهة أمام المدنيين مباشرة كخط دفاع أول عن جمهوريتهم العتيقة. نتفهم الصدمة التي قد تصيب هذا الجيل من العسكريين الذي اقتات أيديولوجيا، قبل أن يكون اقتصاديا على شعار من يحمي يجب أن يحكم – في ظل التدهور المريع الذي يصيب عناصر الأمن القومي المصري لا نعرف ما الذي يحميه هؤلاء فعليا – نتفهم صدمة هؤلاء حين يفاجأون أن يوليو قد أكمل للتو ـ أو يكاد ـ دورة اقتصادية كاملة بدأت بانتعاشة اشتراكية، وتنتهي الآن بانحطاط طبقي سحيق يبتلع يوميا بوتيرة هائلة السرعة مزيد الضحايا الجدد ويضمهم إلى قائمة الفقراء والمرضى والأميين. يبدو أن نهاية “المسألة المصرية” ستكون اقتصادية كما بدأت وسنشهد في الشهوراللاحقة نشوء رقعات من أزمات الغذاء الحادة التي قد تصل للمجاعات، وكذا بؤر للأمراض الفتاكة التي سيصعب احتواءها وسيفيق حراس يوليو – كما جرت العادة – بعد أن يفوت الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد