الابن المخلص، رب الحياة والنمو في النخلة، وهو أحد حارسي بوابة السماء والمسؤول عن دورة الفصول عندما يبعث حيًا كل ستة أشهر، ومن ألقابه الراعي، والثور الوحشي.

هو من آلهة الشهور وشهره هو يوليو (تموز) رابع شهور التقويم البابلي، وسادس شهر في التقويم المحلي لإقليم آشور قبل إعادة توحيده بالتقويم البابلي في العهد البابلي الجديد، ومن وظائفه الأخرى الإشراف على المراعي وهو إله الحظائر ويمثل عنصر الذكورة في الطبيعة.

هذا ماجاء في الأساطير البابلية القديمة حول تموز أو ديموزي وقصة عشقه الإله عشتار والتضحية بنفسه لتهبط هي إلى الأرض.

هذا الشهر الّذي قامت به أغلب الثورات في بلاد وادي الرافدين شهرًا لاهبًا كما هو حال الجو في هذا الشهر؛ فتجد الناس فيه مزاجهم سيء يميلون إلى العدوانية في تعاملهم حتى مع أسرهم ولا نعلم أهو تأثير الحرارة في هذا الشهر وانقطاع التيار الكهربائي المستمر؟ أم إنه تأثير  ديموزي أو تموز إله  وادي الرافدين.

نعم أغلب ثورات العراق قامت في هذا الشهر اللاهب المأجج للعواطف الذكورية، فتموز بالنسبة للعراقيين شهر الثورات، وهم في هذا متفقون مع المصريين، ففي هذا الشهر اندلعت ثورة مصر التي غيرت تاريخ البلاد وغيرت وتغير تاريخ المنطقة أيضًا.

غياب لأبسط الحقوق وفوارق طبقية عظيمة بين أبناء شعب واحد، بل حتى على صعيد العائلة تجد فوارق طبقية بينهم، فتجد فردًا منهم ينعم بكل الراحة والاستقرار المعيشي وهو ميسور الحال؛ وتجد آخر في نفس عائلته يفتقر إلى أبسط الحقوق، لأن الأول التجأ إلى حزب ينتمي له فيوفر له الوظيفة والأمور اللوجستية اللازمة للحياة، والآخر بقي ملتزمًا بمبدأ أن الوطن للجميع، ولكنه شعار فقط لا تطبيق له في بلاد الرافدين؛ نعم بلاد الرافدين التي جف رافداها من الماء ولم تجف حقول نفطها المنتجة ليتنعم بها فئة قليلة ويبقى الآخرون محرومين منها.

أعود لموضوعي شهر تموز والثورات أغلبها قامت في هذا الشهر منها ثورة عبدالكريم قاسم ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالملكية العراقية وأصبح العراق جمهورية.

ويعزى إلى أسباب ثورة عبد الكريم قاسم هو هيمنة بريطانيا على الحكم إبان حكم الملك فيصل ونهب خيراته وكانت الوصي على العراق والمتحكم به. ومن أهم العوامل هو نجاح حركة الضباط الأحرار في مصر، خلال ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 التي أدت إلى تقويض النظام القائم في مصر . وغيرها الكثير من الأسباب لا يسعني ذكرها جميعًا.

17 يوليو (تموز) 1968 قاد الثورة حزب البعث مع بعض العناصر غير البعثية للانقلاب على الحكم والسيطرة على البلاد، وهنا بدأت الحقبة الجديدة الدموية في تاريخ العراق نعم كل من يقرأ التاريخ العراقي تستوقفه هذه الأعوام من سنة 1968 إلى عام 2003 سقوط نظام صدام حسين.

فبعد استلام البعث للسلطة أصبح مبدأ القائد الأوحد والانفراد في السلطة. (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدةشعار رفعه حزب البعث وتصدعت رؤسنا به فهو إلزامي الترديد على كل فرد عراقي من رياض الأطفال إلى الجامعات وحتى بعد التخرج؛ نعم حزب البعث ظالم طاغ متفرد بالحكم والأحكام ليس هناك قضاء مستقل ولا صحافة مستقله ولا حتى طالب مستقل فالجميع يجب عليهم أن ينتموا إلى حزب البعث شاؤوا أم أبو.

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وإلى يومنا هذا شهد العراق انفراجًا وانفتاحًا لم يسبق له مثيل.

فبعد أن كان حزب واحد هو من يحكم العراق ويتحكم بأمور الدولة ويسن قوانينها، أصبح لدينا الآن العديد من الأحزاب السياسية منها الدينية ومنها الليبرالية والعلمانية وحتى أحزاب شيوعية.

كان نظام البعث السابق لا يسمح بتعدد الأحزاب، رغم أن الدستور العراقي آنذاك ينص على تعدد الأحزاب وكفالة حرية الرأي، ولكن كانت كلها مجرد قوانين على ورق لم يكن في الواقع شيء منها يطبق، ففي عام 1979 أسس حزب الدعوة الإسلامية والذي كان زعيمه آنذاك محمد باقر الصدر، الذي أعدم في نفس عام تأسيس حزبه تقريبًا، وتم ملاحقه المنتمين لهذا الحزب وإعدامهم ومن نجا بنفسه فقد فر إلى إيران أو إلى دول أوروبا ،نعم لم يكن الموت يطال الشيعة لأنه لم يكن مقتصرًا على شيعي أو سني، كل من يمس الدولة بفعل أو كلمة يلاحقه الموت ولا بديل عن الموت، حتى الحزب الشيوعي تم تفكيكه والقبض على أبرز تابعيه في العراق آنذاك.

تأملت الناس خيرًا بحكم الأحزاب الإسلامية لظنهم أنهم أفضل من يدير البلاد، باعتبارهم يعرفون الله ويتقونه ويخافون على مصالح الشعب، ولكن الافتراض جاء معكوسًا وبح صوت الناس من المطالبة بأبسط حقوقهم، الكهرباء والماء والخدمات الأساسية، لم يطالب أحد بأن يصبح غنيًا أو أن يعيش عيشة مترفة.

توالت المظاهرات التي تطالب بالكهرباء وبمحاسبة المفسدين، ولكنها لم تؤثر قيد أنملة في حكومة الإسلاميين، ولكن في هذا الشهر بالتحديد ثار الشعب في محافظة البصرة أغنى محافظات العراق النفطية والزراعية التي يعاني أهلها من الفقر والإهمال والحرمان، ثورة قادها أبطال شباب بعمر الورد فاض بهم همهم وضاقت بهم الدنيا من وعود الحكومة الفاسدة، فانتفضوا معلنين ثورة ضد الفاسدين والأحزاب الإسلامية، وجوبهت هذه الثورة بالرصاص الحي وقتل عدد من الشباب، ولكن الثورات لا تتحقق بدون أن يدفع ثمنها دمًا وعرقًا يمتزجا ليكتبا تاريخها، التحقت باقي المحافظات (بغداد ،ميسان ،ذي قار، المثنى، بابل، القادسية، النجف،كربلاء) تم قطع خدمة الإنترنت في العراق وعزله عن العالم حتى لا يعلم العالم ماذا يجري داخل أسوار هذا البلد. علت أصوات الأحزاب بأن الثائرين هم بعثية ،مندسون ومخربين يريدون الإطاحة بالعملية السياسية؛ متناسين أن الذين يطالبون هم أناس فاض بهم وشبعوا وعودًا من أحزاب من المفترض أنها تعرف معنى الظلم لأنهم عاشوه سابقًا إبان حكم صدام حسين وأنهم يعرفون الله الذي يحكم بالحق.

سيكتب التاريخ أن بلدًا من أغنى البلدان النفطية  يعيش أهله حفاة، تحت أقدامهم الثروة وهم لا يملكون قوت يومهم ومحرومون من أبسط حقوقهم، ينعم بها الإسلاميون المتأسلمون، انتفض شبابه وشيبته وتوحد السني والشيعي ليزلزلوا الأرض تحت أقدام السياسيين، ويدكوا أوكار الأحزاب ويهدموها على رؤوسهم. لا للتبعية لأي دولة كانت إيران أو السعودية، فالعراقيون لا يقبلون أن يكون عليهم وصي من خارج أرضهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد