1- انعدام الرؤية

عندما أعلن وزير الدفاع تخليه عن منصبه العسكري حتى يبدأ حياة مدنية يستطيع من خلالها خوض الانتخابات الرئاسية، باعتباره أول رئيس بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين من الحكم من خلال تحرك عسكري بغطاء شعبي، تم اعتقال الرئيس السابق مرسي وتجريده من منصبه، ومن ثم تصفية قائمة طويلة من الحسابات مع تيار الإسلام السياسي، والذي كان يتزعمه الإخوان المسلمن باعتبارهم الفصيل الأكثر تنظيمًا حينها.

في هذا الوقت كانت هناك حالة من العاطفة تسيطر على قطاع كبير من المصريين بين عام انقضى تحت حكم الإخوان تراكمت فيه المشاكل الأمنية لغياب جهاز الداخلية عن الشارع، وبين ارتفاع سعر الدولار وانقطاع مُنظم يمتد لساعات للكهرباء عن المواطنين. ناهيك عن خوف يتعمق بين النخبة المثقفة (الانتجلنسيا) من طمس الهوية المصرية -هاجس يدعمه السلفيون- بشكل ممنهج تحت قبة البرلمان خلال جلسات عكست مدى فقرهم ومراهقتهم السياسية.

هذه الحالة نتج عنها سحب التأييد الذي أعطاه المصريون في انتخابات 2012 لمرشح الإخوان مقابل تفاؤل نتج عن الإطاحة بممثلهم في السلطة التنفيذية، وتأييد للرجل الذي كان يمثل وقتها نموذج العسكري الملتزم الذي تخلى عن سترته العسكرية حتى يأتي ليحل مشكلات الوطن وينقذه من الانهيار.

كان وقتها الاقتصاد المصري ينزف نتيجة لسنوات من الاضطراب السياسي، بدأت مع اندلاع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 حتى استقرار الوضع نسبيًّا مع أول انتخابات رئاسية في يوليو (تموز) 2012، وعادت لتتفاقم مع الاضطرابات خلال أول عام من حكم الرئيس السابق مرسي، فترة توالى على رئاسة وزراء مصر حينها أربع حكومات وعشرات الوزراء ومجموعات اقتصادية حاولت إنقاد انهيار اقتصادي بانت بشائره مع ارتفاع قيمة عجز الموازنة وتراكم الدين، وكلفة الدعم الباهظة ومعدل نمو منخفض. لكن هل كان السيسي هو المُخلص المنتظر لما حدث؟!

جدول يوضح تطور الموازنة العامة بين عامي 2011-2014

مصر الدولة الغنية بشعبها ومواردها تعتمد على الإعانات والمساعدات وهذا أمر غير مقبول!

أثناء خطابه الأخير الذي تحول خلاله من وزير دفاع لمُرشح محتمل لمنصب رئيس الجمهورية، أطلق السيسي جملته الشهيرة بأن مصر الغنية بمواردها لا يليق أن تقتات على المعونات، وحان لها أن يدور بنهوضها عجلة الإنتاج ولا تتوقف حتى يتعافى الاقتصاد ويجد ملايين العاطلين فرصة لحياة أفضل.

بعدها ظهر المرشح المُحتمل في العديد من وسائل الإعلام لتوضيح رؤيته لمصر إذا تولى المسئولية، ورغم غياب برنامج انتخابي واضح يمكن القياس عليه لكن كانت معظم تصريحاته التي تخص الاقتصاد تُركز على تضخم فاتورة الدعم الممنوح من الدولة وتراكم الدين العام حتى إنه قال في لقائه الشهير مع الإعلامي إبراهيم عيسى أن حجم الدين العام بلغ 1.7 تريليون جنية وبات من غير المقبول أن نورثه للأجيال القادمة!

كان هناك انعدام رؤية واضح عن الطريقة التي يمكن من خلالها تقليص حجم الدين وتحسين الأداء الاقتصادي، فعند تتبع جملة تصريحاته السابقة على فوزه بمقعد الرئاسة سنجد أن الحل المُقترح للقضاء على البطالة بتوزيع ألف عربة خضار على الشباب أثار سخرية المتابعين حينها. هذه الحالة من التشوش وانعدام الرؤية نتج عنها تخبط ملموس في إدارة الملف الاقتصادي خلال السنوات الأربع الماضية.

لذلك ارتفع حجم الدين الداخلى خلال الفترة من 2014 : 2017 حوالي 3000 مليار جنية (3 تريليون) وتضخم الدين الخارجي حتى وصل لأضعاف ما كان عليه عام انتخابه ليصل إلى 80 مليار دولار، تراكم ارتفعت معه فوائد الدين لمستويات غير مسبوقة لتشكل ضغطًا قويًّا على مصروفات الحكومة وتلتهم أكتر من ثلث الموازنة العامة لعام 2018/2019.

جدول يوضح تطور فوائد الدين في الفترة من 2014 – 2018

حجم فوائد الدين فى موازنة 2018-2019

وأستطيع أن أقول أنه في خلال سنتين، سيشعر المواطن بتحسّن في ظروفه المعيشية.
المرشح عبد الفتاح السيسي 2014

مع صيف 2016 كان الجميع على أعتاب قرار هام قادر على تغيير وجهة الاقتصاد الوطني وربما معيشة ملايين المصريين، حيث بدأت مصر مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للموافقة على منحها قرضًا بقيمة 12 مليار دولار يعوض الانخفاض الحاد في احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، فقد انخفض من 36 إلى 16.3 مليار دولار في الفترة بين يناير 2011 حتى يونيو (حزيران) 2016.

هذا يعني في الاقتصاد أنك أمام انهيار حكومي في تغطية ما تحتاجه الدولة من نقد أجنبي لتغطية تكاليف واردتها خاصة مع دولة مستوردة في الأساس كمصر، إلى جانب شلل نقدي للمصرف المركزي يجعل الدولة عاجزة عن سد ما عليها من أقساط القروض. لذلك كُنا فريسة سهلة سلمت نفسها لمُفترسها الذي من أهم أدواره حماية النظام المالي العالمي وعدم ترك الدول النامية عاجزة عن تسديد ديونها حتى لا تتأثر المصارف العالمية من خلال منحها قروض جديدة ولو كان ذلك على حساب ملايين الفقراء.

أن الفقراء هم الذين يتحملون النتائج السلبية التي يفرزها التقشف المالي
أرنست فولف

في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام وافق صندوق النقد على منح الحكومة المصرية القرض المطلوب ولكن على دفعات تكتمل إجراءاتها خلال ثلاث سنوات، حتى يضمن خلالها التزام الحكومة بسياسات التكيف الهيكلي والتي تضمن في المقام الأول أن يذهب الجزء الأكبر من مصروفات الحكومة لتسديد الدين.

لكن ما هو التكيف الهيكلي؟

في 1979 أعلن صندوق النقد لأول مرة عن برامج التكيف الهيكلي، هذه البرامج تعطي أهمية للتدفقات المالية العالمية بين الدول النامية حتى تمنعها من الإفلاس وتدفعها لقضاء ما عليها من ديون، ولكن هذا المنح بشروط حددها الصندوق في العام ذاته من ضمنها على سبيل المثال وليس الحصر:

خفض قيمة العملة الوطنية

رفع معدلات الفوائد بغية الحد من الحجم الائتماني

إلغاء القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية

خصخصة المشاريع الحكومية وأملاك الدولة

تحديد أولويات الإنفاق الحكومي

بعد بضع سنوات من إعلان البرنامج ومع نهاية عام 1983 أغلقت بورصة المكسيك أبوابها وأعلنت الحكومة عجزها التام عن سداد ما بذمتها من ديون بعدما ارتفع الدين الخارجي للمكسيك لما يعادل 80 مليار دولار، قابل ذلك التغير المفاجئ لاقتصاد المكسيك تحرك سريع من صندوق النقد الدولى حينها للحيلولة دون إعلان المكسيك إفلاسها وضمان قدرتها على تسديد أقساط خدمة الدين، وسارع الصندوق لمنح المكسيك قرض قيمته 3.3 مليار دولار وربطه بتنفيذ صارم لبرنامج تكيف هيكلي.

من ضمن شروط برنامج التكيف المفروض عليها كان خفض قيمة الأجور أو تثبيتها عند حد مُعين، وإلغاء دعم سلع أساسية، اعتادت الحكومة على تقديمها صاحب ذلك مستويات تضخم مرتفعة مما أدى إلى انخفاض المستوى المعيشي لفئات عريضة من سكان المكسيك طوال السنوات الأربع التالية على القرض.

هذه الشروط وغيرها تمثل سوطًا يضرب الفقراء بلا رحمة، حيث إن تخفيض قيمة العملة يعني تدهورًا في قيمتها الشرائية مع ثبات الأجور عند مستوى مُحدد، وذلك يعني دفع أسعار أعلى على السلع المستوردة. ورفع معدلات الفائدة ينعكس سلبًا على الكثير من المشاريع الزراعية والحرفية الصغيرة ويسمح بتكدس رأس المال في البنوك.

كما أن إلغاء القيود على الاستثمار لن يسمح بنمو أي مشاريع محلية منافسة، وبالتالي يُضعف من الاقتصاد الوطني مقابل منافسة غير متوافقة مع شركات عالمية تجتاح السوق المحلي. والأخطر كان تحديد أولويات الإنفاق الحكومي الذي يفرضه ويشرف على تنفيذه الصندوق منذ لحظة موافقته على القرض. شرط يضع اقتصاد الدولة تحت يد مؤسسة أجنبية لا تقيم للفقراء ومعاناتهم وزنًا.

هذا الشرط يترجم ببساطة لماذا يتقلص الدعم الممنوح للشرائح الاجتماعية الأكثر فقرًا مقابل رفع قيمة الفوائد على الدين وثبات الأجور عند مستوي واحد. كل تلك الشروط وغيرها أدت إلى مستويات غير مسبوقة في التضخم ومعدلات البطالة جعل مصر تحتل المركز الثاني على مؤشر بلومبرج للاقتصادات الأكثر بؤسا في العالم.

مؤشر بلومبرج

جدول يوضح زيادة طفيفة في أجور العاملين بالدولة مقابل معدل تضخم مرتفع (بالمليون جنيه)

2- مشاريع عملاقة

إن اليأس الذي تسببه البطالة لا ينبع من خوف الفقر فحسب، وإنما من مواجهة مستقبل من الفراغ. والعاطلون ينزعون إلى اتباع الذين يبيعونهم الأمل قبل اتباع الذين يقدمون لهم العون.
إيريك هوفر – فيلسوف أمريكي

يعرف هو-جون تشانج في كتابه السامريون الأشرار مصطلح الـ White Elephant وهو ما زاد عناؤه وتكلفته من المشاريع على نفعه أو العائد منه، ويستشهد بتجربة إندونسيا عندما أصرت على إنتاج الطائرات ودعمت الدولة صناعتها بملايين الدولارات مقابل هجرها الزراعة واستخراج المعادن وانتهت إلى تبديد الأموال دون عائد عندما عجزت عن المنافسة.

لماذا نتسمك بالفيل الأبيض White Elephant؟

بعدما أطلق السيسي عقب فوزه بالإنتخابات مشروع قناة السويس الجديدة أعلن هشام رامز – محافظ البنك المركزي السابق – في سبتمبر (أيلول) 2014 عن طرح شهادات استثمار تحمل اسم قناة السويس تصدر من أربعة بنوك حكومية بنسبة فائدة تصل إلى 12.5% سنويًا، هذه الشهادات تبدأ من 10 حتى 1000 جنيه مصري ومضاعفاتها لتصل بعض الشهادات إلى ملايين الجنيهات، وذلك لضخ تمويل مشروع ضخم لشق قناة موزاية لقناة السويس الجديدة بطول 72 كيلو متر تسهل حركة الملاحة فيها، وتلتزم الحكومة بسداد قيمة الشهادات خلال خمس سنوات من أرباح القناة الجديدة.

وذكر حينها أن حصيلة بيع شهادات قناة السويس الجديدة بلغ حوالي 64 مليار جنية أي ما يعادل وقتها 8.5 مليار دولار، وذلك خلال ثمانية أيام فقط من طرح الشهادات. وقال في مؤتمر صحفي أن 82% من نسبة عمليات الشراء كانت من قبل أفراد. طرح مثل تلك الشهادات كان كافيًا لرفع مديونية الحكومة على المستوي المحلي بضعف على ما ستحصل عليه نتيجة لنسبة الفائدة المقررة.

كان هذا بعد أقل من ثلاثة شهور على تولي السيسي الحكم، وكان لا بد من هذا المشروع الضخم ليخفف من كاهل الموازنة وما تتحمله من أعباء الديون!، ولكن هل مشروع بمثل هذه الضخامة والتكلفة كان محل دراسة سليمة تمنع تبديد عشرات المليارات بدون عائد قوي!

تجيب عن ذلك الأرقام الرسمية التي طرحتها وزارة المالية من خلال موازنة العام الجديد 2018/2019 بعد قضاء ثلاث سنوات على انتهاء حفر القناة في أغسطس (آب) 2015، حيث كانت إيرادت قناة السويس قبل حفر التفريعة الجديدة عام 2014 حوالي 2.6 مليار وانخفضت إلى 1.8 مليار دولار.

أهم بنود الإيرادات غير الضريبية بمشروع موازنة 2018/2019

حدث ذلك رغم تأكيد رئيس هيئة قناة السويس في فبراير (شباط) 2015 أن إجمالي إيردات قناة السويس بعد حفر القناة الجديدة سيصل إلى 100 مليار جنيه سنويًا تستطيع من خلالها تغطية ما اقترضته الحكومة في صورة شهادات، ودعم الموازنة العامة. بعد ظهور الأرقام الرسمية لتراجع إيرادات القناة باتت التصريحات تتجه لضعف حركة التجارة العالمية! ويظل السؤال هل كانت الحكومة تخطط بشكل سليم كما يروج الإعلان الدعائي!

باختصار ضاعفت الحكومة من مديونيتها لمشروع دعائي ضخم دون تخطيط سليم لما سينتج عنه من إيرادات، حتى انتهينا إلى تحول جدوى المشروع من اقتصادية لمعنوية كما صرح الرئيس السيسي خلال مؤتمر الشباب في إسكندرية عام 2017.

حتى لو كان مثلًا الهدف الوحيد من مشروع القناة الجديدة إنك تعمل الممانعة المعنوية للشعب، فاللي دفعناه مش كتير.
عبد الفتاح السيسي – يونيو 2017

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد