الثامن عشر من يونيو، يوم لا يعرف عنه الكثير من المصريين شيئًا بالرغم من كونه يحتل موقعًا بارزًا في تاريخ مصر الحديثة، يومًا ولدت فيه مصر “الدولة” وخطت أولى خطواتها نحو الحداثة، ربما يختلف الكثيرون حول مدى عظمة هذا اليوم وهذا الحدث، ربما ينعته البعض بالكارثة ويعزي كل ما آلت إليه الأمور في وادينا التعيس لهذه اللحظات، بينما يتحدث عنه البعض الآخر بفخر بالغ ممزوج بأسى على رحيل هذا العهد وانقضائه.

“يا رب يا متجلي أهلك العثمانلي”.. هكذا ردد المصريون في ثورتهم ضد الوالي العثماني خورشيد باشا، بل هكذا رددوا على مدار عامين كاملين بدأت فيهما ثورتهم على الولاة منذ غادرت الحملة الفرنسية، يقودهم في ذلك نقيب الأشراف عمر مكرم وتحملهم الأمنيات بتولي القائد “العسكري” الألباني محمد علي. ذلك الشاب حاد الذكاء الذي استطاع التعامل مع الأحداث بحنكة وبراعة مدهشتين، تارة بالتودد للعثمانيين وتارة أخرى بالتحالف مع المماليك، حتى انتهى به الحال فائزًا وحيدًا وسط مجموعة كبيرة من الخاسرين، فهذا عمر مكرم الداعم الأول له ينتهي به الحال منفيًّا، وها هي القلعة تقضي على المماليك منافسه الأوحد على السلطة، ثم ها هم العثمانيون أنفسهم يواجهون خطر تمدد دولة محمد علي لتبتلع دولتهم في محاولة طموحة منه لم يوقفها إلا أوروبا المتوجسة خيفة منه.

الثامن عشر من يونيو 1805، ذلك اليوم الذي أصدر فيه السلطان سليم الثالث فرمانًا بتعيين محمد علي واليًا على مصر، ذلك الفرمان الذي جاء منافيًا لرغبة السلطان لكنه نزولًا على رغبة الجماهير، ومنذ ذلك التاريخ ورغم ما واجه محمد علي من صعوبات إلا أنه استطاع أن يبني دولة جديدة تبدو منفصلة تمامًا عن الدولة العثمانية، بدا ذلك واضحًا حين عجز سليم الثالث عن عزل محمد علي بعد عام من توليته، صحيح أن محمد علي ظل – أو هكذا بدا- وفيًّا لفترة من الوقت للدولة العثمانية فحارب معها ولأجلها، لكنه سرعان ما أدار دفة المعركة نحو هذه الدولة طمعًا في ضم أراضٍ جديدة لدولته التي صمدت قرنًا ونصف القرن، مئة وثمانية وأربعين عامًا كاملة حتى سقطت هذه الدولة تحت وطأة دولة أخرى عسكرية المنشأ مثلها، سقطت هذه الدولة الحديثة – كما تُلقب- بعد أن خفت بريق هذه الحداثة أو ربما بدأت تبعات هذه الحداثة في الظهور، وبعد أن بدا أن دولة محمد علي لم تمتلك المقومات اللازمة لبقائها وراثيًّا في نسله وأنه حان وقت استبدال الجمهورية بالملكية الوراثية، وقد كان.

عام قبل هذا السقوط كان يحمل بدايته وبوادره، الثالث والعشرون من يوليو 1952، بل ربما حتى قبل هذا التاريخ بأعوام. كانت مصر محمد علي قد شاخت على يد ذريته، شاخت وفقدت مساحات كبيرة من إمبراطورية الجد التي بناها وظن أنه أحسن بناءها، لكن المصريين الذين هللوا كثيرًا يوم دخل محمد علي قلعته حاكمًا لمصر هم أنفسهم من تراقصوا يوم أسقط البكباشي ناصر ورفاقه دولة الباشا في الثامن عشر من يونيو 1953. هل تعمد ناصر ورفاقه النيل من دولة محمد علي في نفس يوم مولدها أم أنها فقط مصادفات هذا التاريخ العجيب؟!!

“إن تاريخ أسرة محمد علي في مصر كان سلسلة من الخيانات التي ارتكبت في حق هذا الشعب، وكان من أولى هذه الخيانات إغراق إسماعيل في ملذاته وإغراق البلاد بالتالي في ديون عرضت سمعتها وماليتها للخراب حتى كان ذلك سببًا تعللت به الدول الاستعمارية للنفوذ إلى أرض هذا الوادي الآمن الأمين، ثم جاء “توفيق” فأتم هذه الصورة من الخيانة السافرة في سبيل محافظته على عرشه، فدخلت جيوش الاحتلال أرض مصر لتحمي الغريب على العرش الذي استنجد بأعداء البلاد على أهلها، وفاق “فاروق” كل من سبقوه من هذه الشجرة فأثرى وفجر، وطغى وتجبر وكفر، فخط لنفسه نهايته ومصيره، فآن للبلاد أن تتحرر من كل أثر من آثار العبودية التي فرضت عليها نتيجة لهذه الأوضاع. نعلن اليوم باسم الشعب إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة، وإعلان الجمهورية وتولي الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب قائد الثورة رئاسة الجمهورية”.

كان هذا بيان مجلس قيادة الثورة الذي أنهى عهد ما قبل الجمهورية وأسس عهدًا جديدًا هو عهد الجمهورية الأولى، ذلك العهد الذي بدا براقًا في بدايته، تمامًا كما بدا مثيله قبل خمسة عشر عقدًا، ثم ما لبث أن كشر عن أنيابه وأخرج أسوأ ما فيه، تمامًا كما فعل سابقه أيضًا. ربما جاءت لحظة الحقيقة أقرب قليلًا من مثيلتها في عهد دولة محمد علي، لكنها جاءت شبيهة بها إلى حد كبير، ليست فقط لحظة الحقيقة وإنما الدولة كلها لم تكن ببعيدة عما قبلها، فقط استبدل ناصر ضباطه بإقطاعيي فاروق، لكنه أضاف نهكة عسكرية قمعية للحياة الاجتماعية لم تشهدها دولة الباشا في أحلك لحظاتها. اختار ناصر هذه المرة نفس التاريخ – ربما عامدًا- ليخُلص دولته من الاحتلال بعد أن جردها من رئيسها الأول محمد نجيب، فكان يوم الثامن عشر من يونيو 1956 – نظريًّا- هو آخر يوم للجنود الإنجليز على الأراضي المصرية، أما عمليًّا فقد عاد هؤلاء الجنود بصحبة الفرنسيين والصهاينة بعد أقل من ستة أشهر ليحتلوا جزءًا من سيناء ومعه غزة.

انتظر “الضباط” الأحرار سبعة عشر عامًا كاملة ليتذوقوا طعم أول انتصار “عسكري”، فمنذ أن غادروا ثكناتهم في يوليو 1952 لم يرَ الجيش المصري انتصارًا إلا في أكتوبر، ذلك الانتصار الذي لم يلبث أن طمسته الأختام والتوقيعات على اتفاقية كامب ديفيد ثم أتى عليه الزمن فصار بعد ثلاثين عامًا كاملة مجرد ذكرى تهاوت تحت ضربات فساد الجمهورية الأولى وفشلها.

وانتظرت مصر مرة أخرى، انتظرت تسعة وخمسين عامًا حتى جاء يوم الاثنين الثامن عشر من يونيو 2012، الساعة الرابعة فجرًا يظهر على شاشات التلفاز أعضاء الحملة الرسمية للمرشح الرئاسي محمد مرسي ليعلنوا النتائج الأولية لفرز الأصوات في مرحلة الإعادة للانتخابات الرئاسية الأولى في مصر، الانتخابات الأولى الحقيقية، والتي جاءت نتيجتها لتعلن بداية عهد الجمهورية الثانية، الجمهورية التي جاءت تمامًا كما فعلت مثيلاتها “دولة الباشا ودولة العسكر” كنتيجة لثورة، ربما تكون الثورة هذه المرة هي أكثرهم صدقًا، أكثر صدقًا من الثورة على خورشيد باشا و”الحركة المباركة” ضد الملك، لكنها كانت الثورة الأسوأ حظًّا بينهما. فجمهوريتها لم يحالفها الحظ لتعيش أكثر من عام على عكس رفيقاتها ذوات المئة وخمسين عامًا والستين عامًا، هكذا لم تكد تبدأ الجمهورية الثانية حتى انتهت، لم تستطع الصمود أمام دولة يوليو العسكرية، لم تستطع الوقوف بوجه بقايا دولة الباشا التي لم تتوار تمامًا مع بزوغ نجم الجمهورية الأولى. لم يكتب الله للجمهورية الثانية النجاح ربما لأنها لم تسلك المسلك الذي اعتادته هذه الأرض بمن عليها منذ مئات السنين، ولأنها كانت صادقة ربما أكثر مما يستلزم الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد