أثناء تصفحي الدائم للفيسبوك مر بي فيديو لشيخ أو داعية ممن يُشهد لهم بالخير والعلم وكثرة الإنتاج, استمعت إليه وإذا بكلام غريب لم يمر على مسامعي من قبل، فأصبحت عادتي هذه الأيام أن أتأكد من أي كلام غريب في منطقه لعلي أجد ضالتي في تفسير ما، أو إنكار يشفي غليل عقلي فبحثت سريعًا في كلامه, وبعد اكتشافي أن كلام الشيخ «سامحه الله» ليس له أصل آثرت أن أنشر الفيديو مع عتب فيه بعض الحدية على الشيخ, هل لم يعد لدينا في صحيحنا ما تؤثِّر به على الناس! وبما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت ذات أهمية بمكان لتعطيك ردة فعل الناس وكيفية استجابتهم أو هروبهم من أمر ما، فإني وجدت عدم تفاعل غريب إلا ممن رحم الله على هذه المنشورات التي لربما فيها بعض النقد الصريح على التراتبية المملة لمنابر هذه الأيام, هل ترانا انتهينا هنا واكتفينا بما قدمه لنا الأولون وأصبحنا نخاف من نقد من يستحق النقد!

بما أن ديننا الحنيف، وتطور الحياة لا يجب أن يكون بينهما أي تعارض، وهذا قانون إلهي بلا شك، فإن مشاكلنا الحضارية تكمن في خوفنا من التجديد, بلا أي شك المنبر إن كان في مسجد أو في شاشة فهو محرك خطير لعقول الأمة تحفيزًا أو انحسارًا, فالانحسار الحالي لا بد أن يكون سببه الهروب من تجديد الخطاب الديني، والإبقاء على ما تعود عليه الناس ليكون بعيدًا عن الجدل «ولو أن هناك الكثير من الكلام الذي لا أصل له قد تعود عليه الناس». وبهذا سنصل في يوم من الأيام إلى الحال التي يكثر فيها الخطباء ويقل فيها من يستمع لأن ما يقال هو الكلام الذي أثر في آبائنا الأولين، والذي بطبيعة الحال لن يهز لهذا الجيل طرفًا, مواكبة تطور الأمم ليس باتباعنا فسادهم بالتأكيد، وليس بفصل الدين عن الدولة، إنما بإيجاد الفقه المناسب لكل مرحلة, المدرسة الحنفية في الفقه كانت قد كسرت كل الحدود بإتيانها بفقه مرحلي بل ومستقبلي أيضًا يخاطب عقول جيلها، ويعطيه التفسير المنطقي، ويجتهد فيما فيه اجتهاد يأتي بالخير لهذه الأمة رغم أنها حوربت حربًا شعواء، ولكن في النهاية لا بد من عقل يفكر وقلب سليم ليقبل هذا الكلام برحابة صدر، وتصبح الحنفية إحدى أهم مدارس الفقه في الإسلام.

إذا عدنا وتفكرنا بالخلافة الأولى.. الخلافة الراشدة.. على ماذا بنيت؟! وكيف وضع تأسيس كل دولة وكيف وضعت قوانينها المدنية؟! وما كان نظامها الرئاسي؟ وكيف وضع؟ وكيف تطور الأمر لتصبح الخلافة إمارة فملك مع وراثة عند العباسيين والأمويين؟ وفي هذا الوقت كانت الدولة الاسلامية في أوجها حضارة وقوة واتساعًا. أليس من الممكن أن نجد نحن أبناء جيل المعلومات من مبادئ ديننا ما نسقطه على واقعنا، ونجد فقهًا قويمًا لا يعترض مع أساس هذا الدين لنبني حضارة يكون أساسها شرع قوي، وكذلك قوة العلم والمنطق. فقارئ التاريخ الإسلامي الذي يتغنى به الخطباء أنفسهم وجميع علماء الدين مليء بالفقه المرحلي الذي مر به عظماء القادة الذين بنوا حضارة عظيمة كان أساسها الدين والشرع الذي كان يحكم بين الناس وينظم حياتهم.

أصبح الوقت ملائمًا الآن للإعلان عن بداية مشوار العمل لبناء مجتمع إسلامي يسن قوانينه بفقه المراحل وبناء الحضارة الإسلامية التي طال انتظار عودتها, الربيع العربي هو فتيل الحرية الفكرية التي ستشعل عقول روَّاد هذا المجتمع، عسى أن يكون هذا الجيل هو جيل البناء الأول، وبذلك تعود المنابر لدورها الفعال في التغيير والإصلاح وبناء الحضارات، وسنبتعد تدريجيًّا عن الخطابات الكلاسيكية الرنانة التي مل سماعها الصغير والكبير، أو أن نجذب الناس بكلام لا أصل له.

كان للدكتور «طارق سويدان» منذ فترة وجيزة اقتراحًا جريئًا عبر صفحته في الفيسبوك، يقول من خلاله إن العمل المؤسساتي أثبت نجاعته في تقدم الأمم، والمركزية البحتة هي بلا شك نوع من الدكتاتورية التي تؤدي للجمود الذي بدوره سيأخرك عن ركب الأمم سنوات طوال, فما المانع في الاعتماد على هذا المفهوم أن يكون «ولي الأمر» هو دستور يعمل عليه أهل الشورى والعلم ليكون مرجعًا حاكمًا عادلًا, وهذا لا ينفي دور القيادة بالطبع، وإنما سيكون هناك ضوابط لعمل مؤسساتي إسلامي يقضي على روتين التقديس للأفراد ويبث التوعية وروح الإنجاز في نفوس هذا الشعب.

ليس بالضرورة أن يكون هذا الطرح هو الحق، وإنما هو نقاش للتغيير وجب علينا أن نعطيه الأولوية، عسى أن يلتفت الشباب لقضيتهم ويواجهوا موجات التقديس والخرافات والمناهجة والفرقة الناجية وغيرها, طبعًا بعد هذا الطرح اضطر الدكتور طارق ليقول: «رجاءً اقبلوا الموضوع كفكرة قابلة للنقاش ولا تكفروني»! هذه بلا شك بداية أي تغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فقه
عرض التعليقات
تحميل المزيد