الفقه هو ذلك النظام السوي الذي ينظم حياة المجتمع، بجميع جوانبها المتعددة، من العبادات والمعاملات والجنايات والأخلاقيات.

فهو نظام متكامل في الحفاظ على حقوق الفرد والمجتمع، وينظم تلك الحقوق بشكل واضح مراعيًا التيسير وعدم الإحراج والمشقة؛ فالفقه في الحقيقة هو آلة لفهم الدين بشكل صحيح بعيد عن الغلو والتطرف.

ولاشك أن الصرح الفقهي مبني على القواعد الكلية، تساعد على تعيين معرفة أحكام الجزئيات، وتوضح التصورات والأفكار القانونية، التي يصعب نقدها، فمن تلك القواعد: «الضرورة تبيح المحظورات، ولا ضرر ولا ضرار، والأصل براءة الذمة، والأمور بمقاصدها ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع»… إلخ.

وكما قال العلامة عبد الكريم زيدان: «القواعد الفقهية هي من قبيل المبادئ العامة في الفقه الإسلامي التي تتضمن أحكامًا شرعية عامة تنطبق على الواقع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها». فالفقيه يتعامل مع النص بشكل أصولي دقيق محكم للغاية، مراعيًا القوانين الفقهية، ليخرج لنا الحكم المناسب لتلك الحالة.

فمن الظلم والجحاف أن ينتقد بعض «الحداثيين»! الذين يدعون التنوير، على حد قولهم، هذه الموسوعة الكاملة على أنها موروث وسبب في تخلف المجتمع المسلم ورجعيته.

ولم يكفهم ذلك النقد المجحف، بل طالبوا باستبدال الفقه بالقوانين الغربية ظنًا منهم أنها ستغني عن الفقه، وهي بعامتها مقتبسة من الفقه الإسلامي؛ فعلى سبيل المثال يقول المستشرق «غوستاف لوبون»: «ما يزال قانون نابليون، الذي يحكم الكثير من العالم المتحضر متأثرًا بفقه مالك فيما يقال ومقتبسًا منه». ويؤكد هذا ترجمة «مختصر خليل» إلى اللغة الفرنسية مرتين. وهذا الدليل واضح على استنساخ الفقه إلى القانون الغربي.

فبكل جرأة يأتي من يدعي التنوير ويقلل من دور الفقهي، بوصفه أنه عبارة عن الموروث لا أكثر ولا يصلح لتطورات العصر الحديث ومتطلباته.

ولعل ما حدث من أزمة مالية ضاربة بالعالم بسبب التخبطات الرأس مالية التي كانت تسونامي الاقتصاد؛ فلم يجد العالم المتحضر إلا أن يستعمل النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يمنع الجهالة في الشركة بين الشركاء، فهو يحدد أنواع الشركة -المضاربة، والمفاوضة، والأبدان، والوجوه- كنوع من ضمان الحقوق بين الشركاء، ويحرم كل البيوع التي تأدي إلى الغبن، أو احتكار السلعة أو النجش والمزابنة… إلخ.

وعلى سبيل المثال يقول:

رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة «لوجورنال دي فينانس»: «بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة».

ففي كتاب صدر مؤخرًا للباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني بعنوان «اقتصاد ابن آوى» أشارت إلى أن البديل والمنقذ من الأزمة الاقتصادية هو النظام الاقتصادي الإسلامي إذ تقول:

«المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية، فمع انهيار البورصات في هذه الأيام وأزمة القروض في الولايات المتحدة فإن النظام المصرفي التقليدي بدأ يظهر تصدعًا ويحتاج إلى حلول جذرية عميقة».

ولا نتفاجأ من تطبيق النظام الإسلامي في كثير من الدول الغربية، كما نشرت صحيفة «ذي جورنال»، دراسة مثيرة أعدها الباحث البريطاني «بول هوسفورد» حول أكثر دول العالم تطبيقـًا لمبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليم القرآن الكريم!

«وحسب الدراسة، فقد احتلت أيرلندا المرتبة الأولى كأكثر الدول التي تطبق تعاليم الديانة الإسلامية، متبوعة بالدنمارك، ثم السويد في المرتبة الثالثة».

فإن النظام الاقتصادي الإسلامي هو النظام الوحيد، الذي يقلل من الأزمات الاقتصادية الضاربة بالعالم؛ لما فيه من القيم والمبادئ الأخلاقية، التي تدعوا إلى التكاتف الاجتماعي بين أفراد المجتمع جميعًا، لتطوير العجلة الاقتصادية.

والخلاصة:

إن الفقه نظام قوي في بنيته واسع في مداركه محافظـًا على كيانه، فهو يساير المسلم في عموم مسالك الحياة، فهو يحتوي على العبادات والمعاملات والفرائض واﻷنكحة… إلخ.

ويحافظ على ضروريات الحياة المشمولة باسم الجنايات والديات والحدود والتعزيرات، وكذا في أحكام الأطعمة والأشربة، والآداب والأخلاق.

فظل أربعة عشر قرنًا محافظـًا وقويًّا في بنيانه صلبًا في التماسك، رغم كل الظروف والتقلبات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية عبر الحقب الزمنية.

فقد يسر الله لهذه الأمة علماء عاملين، توارثوا العلوم الإسلامية جيلاً بعد جيل، وبلغوها كما سمعوها، وبذلوا الغالي والنفيس في نشر العلوم الإسلامية، وفرغوا جل أوقاتهم للعلم والتعليم، فجزاهم الله خيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد