أن تعيش في قطاع غزةَ يعني أنك تمتلك قدره هائلة على التأقلم والتحمل، يعني بأن لديك القدرة التامة على مسايرة الحياة لحظة بلحظة في حين أضحككَ القدر أو أبكى.

الحياة هنا قطار لحظات، مع كل نبضِ لحظة هناك صورة مختصرةً عنها، تجوّل في هذه الأرض المفعمة بالأمل، سترى كيف يشكل ركام المنازل معالم جليةً في أنحائها، وسيلفت انتباهك أيضًا بصيص الفرحِ الذي لا ينضب، يكفي أن تسمع من سيّد ما (تجي بالمال ولا الأولاد).

ثمّ تابع سيرك ما استطعت، لتجد أن التناقض يتخذُ من عتباتها مرفًا له، فهناك أطفال يضحكون وذاتهم يبكون، ستتعثر بأمٍ ثكلى وستأخذك جلبةٌ لأخرى تصدح بالزغاريت، هنا ستجد لحظة فرح بولادة عريس ولحظة فرح كذلك، لولادة شهيد!

لكلِ حدثٍ قبل وقعه لدينا لحظة مخلدة، قبل الشهادةِ لحظة، قبل قصف البيت لحظة، قبل التخرج من الجامعة، قبل الفرح، قبل الحزن، وعند الميلاد والموت لحظة.

أنا الآن أمام منزلي، منزلي الذي كان مكونًا من أربع طوابق، في ليلة ظلماء، وقد غاب القمر، اغتاله صاروخٌ حاقدٌ أرداه مهدومًا، وخلف وراءه أكوامًا من الحجارة ونارًا أوشكت على ملامسةِ السماء من علّوها.

“لقد ابتسم القدر في وجهك!”

هذه كانت أول جملة تلقيتها بعد أن دار حوار سريع بيني وبين ضابط إسرائيلي، أتبع:

“معكم أبو المجد من قوات الدفاع الإسرائيلي (على حد قوله) نتيح لكم الفرصة خلال دقائق، للخروج من المنزل، تجهيزًا لقصفه.”

حالةٌ من الإرباك والخوف، يشتد خفقان القلب، تزيد وتيرة التنفس، وتطلقُ الأقدام على مصراعيها للريح هروبا مما كان الوطن.

نفثت الطائراتُ الحربية الإسرائيلية حممها تجاه البيت، خمس ثوان تقريبًا، خمس ثوان هي ما يحتاجه الصاروخ ليحول البيت لأشلاء. انتظر، قف قليلًا وتخيل معي المشهد قبل أن يلامس الصاروخ المنزل بلحظة تفكر معي كيف عشتُ آخر لحظة لي في وطني الصغير؟!

تتزاحمُ صور الذكريات في مخيلتِي، وتنبت أدق التفاصيل، يوم كانت أرضًا بورًا. في تلك الزاوية، ضحكتُ وهناك بكيت، في هذه البقعة تجمعنا لحفل عيد الميلاد، وفي المطبخِ طبخت وإخوتي أفكارًا طفوليةً لكيدِ المصائب، ابتساماتنا الشريرة تبادلناها عندما وقع أحد إخوتي في أمر خاطئ، على ذاك السرير بكت أختي، في ليلتها الأخيرة قبل أن تزف عروسًا لزوجها، وعلى ذاك الشباك حلقت أحلام أصغرنا بمستقبلٍ واعد، في صدر البيت تحلقنا حول ريحانة البيت، بل جوريته لمساعدة أمي في عمل الكعك، وعلى عتبات البيت وقف وتده، وحجر الأساس فيه، إيييه إما لتوبيخه لأحد أبنائه أو مباركته لابن برهُ وتفوق في جامعته.

في تلك الغرفة، في تلك الغرفةِ أتذكر أول اتصال لي في فترة الخطبة، أول كلمة حبٍ قيلت لي خفق قلبي، امتزجت علي المشاعر حين تذكرتُ خطوتي المباغتة لمخطوبتي عندما سرقتُ منها أول قبلة.

في باحات البيت، لحظات الطفولة الشقيّة، يوم وقع أحدنا وروى ترابه دموعًا، حين خرج والدي دونه، وهناك صنعنا أول (مرجيحَة) على فرعِ شجرة التين. بجوارها شجرة الزيتون التي كنا نداعبها بضحكاتنا وقت القطاف، فتحسن إلينا بثمارها، في الجهة الأخرى من المنزل، أتذكر رسومات لعبة الحجلة، طاولة الشدة، فنجاني المكسور الذي أصر دائما على شرب القهوة به.

يخرجني من هذه اللحظة صراخ والدي ليعيدني لواقع سيكون أكثر إيلامًا بعد لحظة، أنظر للبيت أراه يبتسم لي يرفع رأسه، شامخًا، يستقبل أداة الموت ثم يخر شهيدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد