هل شعرت يوما أنك إنسان تافه؟

هل شعرت يومًا أنك إنسان تافه؟ هل تحس أحيانًا أنك تتصرف بمنتهى السخف والسذاجة؟ هل ردود أفعالك الساخرة أو حتى الجدية صبيانية؟ هل تعاني الافتقار إلى الاتزان والحكمة؟ هل حدث أن تكلمت أو تصرفت في أوقات غير مناسبة؟ أكيد أن شيئًا من هذا قد حصل أو ربما لا يزال يحصل لك. في هذه الأسطر سنحاول تشخيص الداء وفحص مكامن الخلل من أجل الخروج برؤية متكاملة تجعل من الفرد العاقل، الأساس الذي ترتكز عليه الثورة المجتمعية الهادئة.

بداية لا بد أن ندرك جيدًا أن الإنسان لا يستطيع أن يفرض على الغير احترامه إذا لم تجد هذه القيمة الأخلاقية طريقها إلى نفسه لأنه كما هو معلوم «فاقد الشيء لا يعطيه». ثانيًا لا يختلف اثنان في أن نضج الشخص وتوازن تصرفاته لا يرتبط بمرحلة عمرية معينة، بقدر ما هي مرتبطة بتجارب ودروس حياتية وإلى أي مدى تم الاستفادة منها.

ثالثًا من الأهمية بما كان تسليط الضوء على أهم مسببات الوقوع في هذه المواقف والتصرفات والسبل الكفيلة للخروج منها. طبعًا لا ندعي في ذلك خوارق الحلول.

من أهم مسببات الوقوع في مواقف كهذه هي «المجاعة الثقافية»، وعندما نذكر الثقافة فليس بالضرورة مرتبطة بخريجي أو أساتذة الجامعات، لأن كل فرد فينا يحتاج إلى قدر من الثقافة من أجل أن يواجه الحياة ومشكلاتها، الحياة وتحدياتها. فالإنسان ولا ريب يعطي أحيانًا لأزمات حياتية أكثر من حجمها الطبيعي، وفي المحصلة استنزاف للوقت والجهد وقد يكون المال وهو في غنًى عن ذلك كله، فقط لو تحلى بقليل من التعقل وقليل من الصبر وإدراك عواقب الاندفاع والتهور. نشارف على التخلي تمامًا عن غذاء العقول، وفي مقابل ذلك نجد إسرافًا في البطنة، طوابير طويلة على محلات الهامبرجر، في المقابل مكتبات تكاد تصبح خاوية على عروشها، مفارقة مؤلمة وصادمة نحياها في عالمنا العربي.

إن شهوات النفس والبطن إذا لم يسيطر عليها بسلطان العقل أودت بصاحبها إلى غياهب المجهول.

من المسببات أيضًا في الوقوع في  مواقف كهذه هو الترف الحياتي الذي لم يجهد الإنسان في الوصول إليه، يؤدي هذا وفي غالب الأحيان إلى كسل فكري مدمر يصاحبه إحساس بارد تجاه الآخرين، حيث تفقد نفسه قيمة العمل وقيمة تسطير أهداف يُسعى الوصول إليها في هذه الحياة، ولهذا نجد الاقتصادي الياباني «فرانسيس فوكوياما» يقول: «الثروة التي يجمعها الجيل الأول يبددها الجيل الثالث». ولهذا من الضرورة بما كان أن نصاحب الثروة المادية بسلاح الأخلاق، وإلا، أصبحت فسادًا ووبالًا على من لم يدرك قيمتها.

يقول عالم الاجتماع الإنجليزي «إميل دور كايم»: «الإنسان اجتماعي بطبعه»، أي أن الإنسان لا يستطيع أن يتطور أو يتغير إذا لم يحتك بغيره،  قد يتأذى «أجل»، قد يسمع مالا يرضيه «مما لاشك فيه، قد يتألم، قد يحزن وقد… وقد… ولكن في الأخير أكيد أنه سيتعلم وسيتغير إلى الأحسن طبعًا، فتراكم الخبرات الحياتية للفرد تجعله يدرك طبائع البشر ويحلل طرائق تفكيرهم. فالعزلة الدائمة عن المجتمع إذن، لا يمكن لها أن تطور من الشخص ولا يمكن لها في نهاية المطاف أن تجعل منه إنسانًا متزنًا، يعي تصرفاته وتصرفات غيره.

لا يختلف اثنان في أن مجرد فقط إدراك الفرد لتفاهة الموقف، متجليًا في التعبير عن رأي تميزت فكرته بالضحالة، أو محادثة لاهية فقط لمجرد إنفاق الوقت أو مقابلة عابثة لا لشيء سوى توهم كسر الروتين وأدرك بعدها أنها لا تستحق حتى الذكر، لهي إنجاز في حد ذاته وخطوة جريئة في الاتجاه الصحيح، فالمراجعة المستمرة من الإنسان لتصرفاته وسلوكياته مع نفسه ومع الآخرين لهي فعلًا شاهد على النضج والاتزان.

إذن تعديل توازننا السلوكي يمر حتمًا عبر التوازن النفسي والذي هو انعكاس بطبيعة الحال لتراكمات فكرية وتجارب حياتية وظروف اجتماعية كذلك، فالوصول إلى شخصية متزنة ليس سهلًا على الإطلاق ولكنه ليس مستحيلًا إذا أدركنا فقط أين تكمن النقائص وبحثنا بجدية عن الحلول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد