لا بقية لنا إن كان الصانع والصنيع لا يبتعدان عن مُطلق الجنون!

دائمًا ما كنت أذكر في مراهقتي ما كان يجول في عقلي كسؤال لحوح باحث عن جواب، ذلك التساؤل الذى كان تحقيق إجابته بمثابة البحث في مُطلق العدم.. هل الجنون في البشر.. والسعادة في العالم الذي صنعناه؟ أم أن السعادة في البشر والجنون في العالم الذي صنعناه؟

ربما ستحتاج بعض الوقت لتكرر السؤال مرة أخرى، لكنك ستشعر بالامتلاء من ضيق الاحتمال! وتقذف بي إلى دائرة الجنون بعد أن يعتريك الملل، لتجيب علي يأن الإجابة منصوص عليها في التساؤُل الذي لا معنى له، ولكنك يا عزيزي القارئ لن تأخذ من الفكر إكرامًا لك لتتجه مداركك صوب الحقيقة غير المرغوب فيها!

لكنني أعدك بأن الأمر لن يطول عليك، ومن هذا الأمل الذي تشبثت به الآن لتتمسك بالإجابة القاطعة لما تفكُر فيه كي لا يُضنيك هروب الجواب، ويتسبب في لعنك، سنأخُذ عينيك في جولة وئيدة «لنفصِص» لك التساؤل؛ كي نهدي لك الإجابة.

لقد خلق الله الكون بما فيه بصنيعه، وعندما أمر بهبوط أبينا آدم وذريته إلى الأرض أمرهم الله بإعمارها، فأخذوا يلقون في جوف الأرض بذورها، لتطرح لهم خيراتها نموًا يحتاج صنيعًا آخرًا له ليكتمل الهدف المتقاتل لأجله.

فرغيف العيش مثلًا الذي يأخُذ أقدام بعض الشعوب إنشادًا له بعد الذُل المُتطافح من الانتظار لحين العثور عليه، لم يمر مرورًا عابرًا عن العناء ليصبح بين يديك فجأة، فقد كان مروره من يد الزارع ليد الحاصد لنفعه، والأمر قبل الأخير ليد المُنتج له، ثم يلقى داخِل المُعترك أخيرًا ليد المانح له!

ويكون الأمر المنشود هُنا هو العثور على الرغيف الذي لا يستغرق إنتاجه وقتًا، ولا جهد إكماله عناءً بالغًا عن الحد؛ فالهدف كان تمامه نهايةً هو مد الرغبة لتذوقه، ولكن المانح قد يحول عن إهدائه استطعامًا لهوية الذُل التي تُكمِد الرافعين أيديهم أمامه لالتقاطه، والمانح هُنا قد يكون أمرًا موجهًا من إدارة عابثة أو نهجًا من سُلطه رجعية الفكر، أو تعد من يدٍ عامله لتسليم الحقوق.

وهذا المشهد البسيط والمتكرر لأعين الرؤى يجعل لسؤالي حقًا كي ينسخ مبلغ السعادة والجنون في البشر؛ ليرتسم نهايةً في العالم الذي صنعناه بأنفُسنا جميعًا.

فهل تكون السعادة في البشر لإرضائهم بتذوق الخُبز الملغم بأهواء السُلطة، أم تكون السعادة في قلب المانح الذي تذوق ذُل الناظرين، وأياديهم ممدودة لأجل ستر شيء من ألحان المعدة، أم تكون السعادة نهايةً في هذا العالم الذي صنعناه بأنفسنا لنُنظِر لأحفاد الوطن ونقول لهم من أجله: «حي على الفلاح».

أم نذهب للصفة الأخرى ونفترض بعيدًا عن ما يحدُث فى أرضية الواقع، ونقول: حقًا إن الجنون في البشر ليرضيهم على هذا الحال الذي طُبع بدواخِلهم، وعند ذلك نحتاج بدايةً لتعريف شامل عن الفرق بين ما يسمي بالتعقُل العافي عن كل حاضر أثيم، والجنون العافي عن كُل تعقُل حاضِر!

أم نقول: إن صنيعنا يمتاز بأهواج الجنون المُستعلي لإبصار أرواح السماء في صنعنا لمثل هذا العالم الذي يُجري عليه حتف المُصدر «اليد التي تمنح»، الذي يكون في وقت ما كفة ميزانه على أشد موازين القوي والمستورد «اليد الناظِرة للخُبز» الذي يكون في وقت ما كفة ميزانه على أهوى درجات الانبطاح أرضًا.

وهذا المثال الذي استشهدنا به لا تتشدد له الصور الأخري لاختلافها عنها، فأي صُنع بدايةً مُنذ نشوء يد الإنسان له بكونه الصانع، نستطيع أن نُحدد مجال صُنعه، فإما أن مجال صُنعه سيجلب لنا السعادة المتلاقية لتلازم قلوب البشر عليها، أو أن صنيعته ستجلب لنا براثن غير محدودة من الجنون الذي لا يبلى أمره حتى يهدم أساس صنعه، ويطرح بتركه فكره الذي لا يخجل من رجوعه للعصور الوسطى التي كان منهجها الهمجية من مُطلق التعبير عن الجنون.

ويمكن لك يا عزيزي القارئ أن تُلقب تِلك الصفتين بالخير الذي تتعاون فيه السعادة، والشر المكنون في صِور الجنون، ويكون ذلك يا عزيزي على نحو محدود في الصورة الأخيرة.

وحين كُنا نتحدث عن الأساس عُريًا في مقامنا أن لا نذكُر لك أساس الصورة التي استشهدنا بها، وكان هو المُبدل العظيم من بادئ ذي بدء منذ ركود أتربة هذا العالم الكاحِلة بالطرح عن المعالم إلى العالم الرشيد بكل محيا وهناء بمكثه السعيد في التقدم الذي نشهده بأعيُننا يومًا تلو الآخر، وكان صانعه الشعوب المُختلفة، وكان نهجها الموحد والذي لا بديل له ولا اختلاف عليه من فصول التاريخ غير المُتحرش به لإغواء قمعية مُثبتة لإعفاف أصحابها عن التعري الذي كان يقاومه طالت حياته أو قصرت. فما زالت الشعوب هي التي باستطاعتها أن تختار بنفسها دون غير غيرها من حاكم صالح قوي في أمانته، أو حاكم جائِر ليل نهار، مُخل بشرف قسمه وأمانته، أن تختار بنفسها كيف يعيشون، وأين يعيشون، وعلى أية درجةً يعيشون!

والبلية كُل البلية إذا كانت إحدى الشعوب مُجبرةً على العيش في انحدارٍ هزيم، فهذا يُعد من قبيل حِلمِ قد جُسد ولا فرار منه إلا بهلاك قوام مخيل أصحابه، والتأني في رؤيا مستقبل أولاده المتسلمة لراية حِلمه الذي سيكون على غير بعيد لفجيج صفع مستقلبه الذي قد رُكل غيبًا عن أنظاره التي تروق لشيء من الُرقي في التنزه بعيدًا عن كُل حاضِرٍ أثيم.

ولا نمضي ختامًا إلا أن نتفتح على ما وصلت عليه تِلك الشعوب لمبعد الأنظار الغائبة عن كُل منطق قد عُطل به أن يكون موجودًا، فبلوغ هذه الرقعة من الانحدار غير المستقيم بتاتًا لا يتأتى بها إلا أن يكون الظُلم قد طُبع في قلوب البشر فيجعل أصحابهم من الظُلم عادةً لا يضيق له من نبضٍ أو فكر، فتطبيع الظُلم في قلوب البشر يجعلهم لا يرمشون من عتابٍ عليه!

ولا ينبغي علي هُنا إلا أن أصطاد عقولكم مجددًا بجانب عقلي الذي ما زال لا يكف عن التساؤل الذي لا محل لإجابته في ظِل نشوء مثل ذلك العالم الذي يمرح بعيدًا عن روافِد التعقُل.

هل الجنون في البشر والسعادة في العالم الذي صنعناه؟ أم أن السعادة في البشر والجنون في العالم الذي صنعناه؟

ونهايةً كى لاتجول أذهانكم لتعثُر على مزج الصفتين في المخلوق العجيب والعالم الأقل إعجازًا في خلق الإنسان، فحينها علينا أن نبدد أنفسنا وعالمنا، ونطلق حبال التسليم لأمر النجوم الهادئة لتتولى باستفاضة عالمنا المُنهزم من الجنون في الصانع وصُنعه لتسكُب علينا بسحرها وهدوئها الفسيح عن كُل وبال ومفسد لا ينبغي له أن يكون حاضرًا في عالم خليفته الإنسان الذي يحمِل عنوان الرحمة والتمييز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد