تخيلوا أنكم في دولة لا يقلق الفقير فيها على رزقه؛ لأن ولاة الأمر فيها يسهرون على توفير فرص العمل لمن لم ينل فرصته بعد، ويعطون من لا يعمل إعانة لا تذله، وتبقيه كريًما، يشتري بها حاجاته وأساسياته، حتى يعمل ليشتري الكماليات إن أراد.

تخيلوا أنكم في دولة الدواء فيها بالمجان، والعلاج فيها بالمجان للأطفال وكبار السن والطلبة ومن لا يملك دخلًا يؤهله لشراء الدواء أو متابعة العلاج.

تخيلوا أنكم في دولة، المستشفيات فيها هي دار للشفاء والنقاهة، وليست دارًا للتوتر أو بيئة للأوبئة، تخيلوا أنكم تدخلون المشفى مرحب بكم، يقوم على علاجكم مختص عليم، مجهز لكم فيه مكان خاص بحالتكم، معد ومهيأ وفقًا لتعليمات السلامة والصحة، تستخدم فيه كل أدوات الفحص والتشخيص والعلاج، حماماتها آدمية، يعاملون فيها عامل النظافة قبل الطبيب معاملة آدمية، ويعامل فيها الأطباء قبل الممرضين المرضى معاملة آدمية، لا يجربون فيهم، ولا يلعبون بأرواحهم؛ لأنهم يخشون من كلمة (لا أعرف)؛ ولأن التعليم الذي تلقوه في كليات الطب ومعاهد التمريض لم يعلمهم سوى لا أعرف التي يخشونها.

تخيلوا أنكم في دولة ينظر فيها البلطجية وقطاع الطريق يمنة فلا يجدون إلا القانون، وينظرون يسرة فلا يجدون إلا القانون، وينظرون للقوت فلا يجدونه يأتي وينفق إلا على من يحترم القانون، لا تستغلهم الدولة في ضرب الخصوم، ولا تستعين بهم في فض التظاهرات، ولا تغذيهم بتجارة السلاح والمخدرات، منبوذون من الجميع، مفتوح لهم طريق واحد هو طريق المواطنة والصلاح.

تخيلوا أنكم في دولة لا يفرض فيها التدين ولا يمنع، من يتطرف فيها بالفكر، يرد عليه عليم خبير، ومن يتطرف فيها بالسلاح، يرد عليه بالسلاح، لا تحتكر الدولة فيها صوت الدين ولاحكم السماء، ولا تشترى من يوالي تدينها بالمال والشهرة، وتعادي فيه من يخالف فحشها أو حتى اجتهادها بالتشهير أو قطع الأعطيات.

تخيلوا أنكم في دولة المفكرون فيها لا يباعون ولا يشترون، بل منارات للفكر والمعرفة، لا ينصبون أنفسهم آلهة ولا أنبياء، تعقد لهم الندوات، وتفتح لهم الأبواب، ليطرحوا أفكارهم ويرد عليهم من يخالفهم بالعلم لا بالشعبوية، ولا بقوة السلطان، لا يصحب أصابعهم على الدوام الخوف من الرقابة أو السلطان أو الجماهير، يحاسبون على ما يكتبون بالقانون العادل والمقاطعة المستحقة، عندما ينتهكون حقوق الفكر بمغالطات لا دليل عليها، وتفسيرات ليس لهم فيها آية ولا برهان.

تخيلوا أنكم في دولة لا تُستغل فيها الحاجات، ولا تثار فيها الشهوات من أجل السيطرة والتحكم، من يعبد الله فيها يعبده على بينة ومعرفة، ومن يكفر فيها بالله يكفر لا تثريب عليه؛ لأن الحكم على المُعْتَقِد وقلبه سيكون في الآخرة لا في الدنيا.

تخيلوا أنكم في دولة يحاكم فيها الحاكم إن أخطأ أو سرق أو حاول الإفساد؛ لأنه في هذه الدولة ليس إلا موظف عام وكَّلَهُ الشعب، ليدير أموالهم وكنوزهم وثرواتهم التي يشترك في حق الإنتفاع والتمتع بها الرضيع قبل الشيخ والكهل.

وتخيلوا أنكم في دولة، اقتصادها مزدهر وصناعتها قوية، تأخذ وتعطي، لا تستجدي المساعدة، ولاتقترض بالفائدة.

وتخيلوا أنكم في دولة نظيفة الشوارع؛ لأن سبل المحافظة على النظافة موفرة، وقوانين المخالفة صارمة، نقية الهواء لأن شعب مريض لا يستطيع الإنتاج أو مواصلة العمل، ذرعها مشبع شافي، لم يسق بماء المجارير، أو يرش بمبيدات البشر، ماؤها صافي لم تصب فيه مخلفات المصانع على عين الدولة وعلمها، أو تسبح فيه جثث البهائم والحمير؛ لأن الدولة لم توفر للإنسان مقبرة.

وتخيلوا أنكم في دولة تعليمها ذي جودة وفائدة، واحة للعلم والمعرفة، يؤهل فيها المعلم قبل المتعلم، يراعي عند عرض المعلومة في مؤسساتها طبيعة السن ومتطلبات المعرفة وحاجة المتلقي، ينتج للسوق طبيبًا ماهرًا، ومهندسًا مبتكرا، وفقيهًا فقيهًا، وحرفيًا يفهم لغة الطبيب واحتياجات المريض إن كانت في الطب حرفته، ولغة المهندس وشروط البناء والإنتاج إن كانت في البناء مهنته، ليُدِيرَ العالِم والمساعد الموقع والمؤسسة والمختبر والمسجد بعلم وفهم وخبرة، تلقوها فى أروقة العلم قبل دروب الواقع ومستجداته. ولا يخرجون من أعلى درجات التعليم أميين متكبرين، كارهين للعلم وأهله.

ولا تؤلف فيه الكتب بالسرقات الحمقاء الخاطئة، كمن أراد أن يطعم أولاده، فسرق من مطبخ جاره أشياء، فلما راح يطبخها لم يراها تمتزج مع مقاديره ولا تهضم بعد الطبخ، فكتب على المائدة: لا يأكله إلا ذو بطن سليم، فراح كلما اشتكى ولد من أولاده سوء الطعام وصعوبة هضمه، اتهمه الوالد السارق بأن بطنه مريضة، وأنه لا يأكل الطعام وفق أصول الأكل كما يفعل الجيران، رغم أن الوالد السارق يدرك مصدر الطعام وجودته.

ولا يؤدب فيه التلميذ بالعصا، ولا يترك فيه المعلم فريسة للتلميذ حتى تلجئه الحاجة للعنف فيضرب أحيانا ويُضرَب فى أحيان أخرى كثيرة، فتعاقبه المؤسسة لما يضرب لأنه خالف القانون، ولما يُضرب لأنه لاشك قد استفز الطالب حتى تجرء وضربه ؟؟

ولا فريسة لأهل الطالب أو مدير المؤسسة أو المحافظ أو ضابط الشرطة، كل بحسب الهوى والنفوذ؛ لأن الجميع في الدول المحترمة تحت طائلة القانون ينتج ويحاسب وفق أصول الإنتاج والحساب.

وتخيلوا أنكم في دولة (لا تغزل فيه الشاطرة برجل حمار، بل تغزل بأدوات الغزل الحديثة)، وفق طرق الغزل الصحيحة، بأصول العلم والصنعة الذي تعلمت، وطبيعة الغزل المطلوب.

ولا تقوم في مشغلها بألف دور، فلها دور محدود وعمل معروف، وأجر يكافئ تعبها ويغنيها عن السؤال أو البحث عن عمل موازي، تسد به الضروريات لا أقول الحاجيات أو الكماليات معاذ الله.

ولا تطالب بإنتاج المصانع الحديثة أو تلام على عدم المواكبة، لما تكون آخر ماكينة دخلت مشغلها كانت من أيام الملك، وآخر تعليم تلقته كان على يد خباز ترقى سلم الوظيفة لأن خاله ذو منصب، من خلال كتاب ألفه عامل محارة ، لأن تأليف الكتب بالطرق الصحيحة لن يفتح أبواب الفساد ولن تُسد به الكروش الجائعة.

ومؤسساتها لا يعلو فيها الناس بعضهم على البعض، أو يمكر فيه الناس بعضهم لبعض، فيكثر فيها التملق والخمول والنزاع، بل يترك فيها لكل منهم مساحته التي لا يتدخل فيها مدير ولا وزير، حتى ينمو الابتكار ويحسن الأداء، دون إغفال عن ضرورة المحاسبة والمراقبة والمعاقبة، وفق أصول واضحة وقوانين يفهمها المتهم قبل منفذ القانون.

وتخيلوا أنكم في دولة، ليس على السجين فيها إلا قضاء العقوبة، وله فى داخل السجن حقوق، وليس عليه واجبات، فلا ينتج إلا بما يتقاضى عليه أجر، إلا إن كان ما ينتجه من جنس ما أفسد، وكان هذا منصوصًا عليه فى الحكم، وليس لأحد أن يمنع أهله من زيارته، ولا يمنعه من تنمية مهارة يحبها أو يطلبها، وتوفر له سبل الثقافة والراحة، ليراجع نفسه ويتدارك خطأه، ويتوب إلى ربه، ويعتذر من مجتمعه على ما صنع، فلا يعود.

أما أصحاب الأفعال الشنيعة والجرائم التي لا دافع لها سوى حب الجريمة كالقتل بدرجاته سوى قتل الخطأ، والاغتصاب بدرجاته، والتجارة بالبشر، وتجارة المخدرات، فليس لهم إلا الإعدام، بلا تعذيب مسبق ولا إهانة أو توبيخ، لا قبل الحكم ولا ساعته، بل يرغبون في التوبة طوال الوقت، ويذكرون بالله إن كانوا مؤمنين به، ويسمعوا كلمته إن كانوا غير مؤمنين بلا إرغام أو استغلال لحالتهم، وإن سبوا الرب أو أهانوا العارض لكلمته المبين لها، فلا يتعرض لهم معترض ولا يسبهم ولا يؤذيهم، بل يتركهم وما يحبون، فإنه مبلغ وليس مرغمًا أو جبارًا.

وتخيلوا أنكم في دولة، من يقبض عليه بجرم، تسجل حالة القبض عليه، وتسجل حالة عرضه في القسم، وتواجده في الحبس، والتحقيق معه، والذهاب والإياب للمحاكمة، وإمضاؤه على أية ورقة، تسجيلًا مكتوبًا ومرئيًا، فلا تبقى ثانية لا تسجل فيها حركته وتواجده وأفعاله، حتى لا يمسه أحد بسوء، ولا يقر بما لم يفعل، ولا يترك فريسة لأباطرة السجون يلعبون به ويستعبدونه، ويجربون عليه كل ظالم ومحرم، ولا للجبابرة القائمين عليها يضربونه ويقتلونه بلا دية ولا ثمن، أو ينسى في غياهب السجن العمر الطويل بلا تهمة أو جريمة، فالغرض من الحبس هو التهذيب لا التعذيب، والإصلاح وليس تنمية حب الجريمة وتكبير الثأر بين المجتمع والمحكوم عليه في جرم قد ارتكبه.

وتخيلوا أنكم في دولة الرئيس فيها ليس الأب أو الموجه أو القائد أو الزعيم أو النبي بعد أن ختمت الأنبياء، بل المجتهد الذي يصيب ويخطئ، والبشر الذي يعتريه المرض والهوى وحب الشهوات.

تخيلوا أنكم في دولة تحترم فيها المقدسات ولا تستغل، والدستور فيها يحترم المقدس لأنه مقدس، وليس لأنه مضطر لاحترامه، وأن ما تقدسه الدولة ليس أوجب اتباعًا مما يقدسه النبي إن صحت نبوته ودعوته.

تخيلوا أنكم في دولة لا تفرض فيها عقيدة ولا شعيرة على أحد؛ لأن من لا يسوقه قلبه لن ينفعه عمله، ولأن من لا يأتي به الدليل لن ينفعه القيد ولن يؤثر فيه.، يعرض فيها أهل العلم والمعرفة ومن يخالفهم آرائهم بحسن وأدب، ويتقبل فيها الناس العرض ولو كان فيه ما فيه، طالما كان بالدليل والبرهان وفقًا لأصول الاستدلال والمحاجة الصحيحة، لا يهان فيه المخالف ولا يستهزأ به، ففارق بين قبول العرض والوجود وبين قبول الفكرة، وأن قبول العرض لا يعني عدم المخالفة والإنكار.

تخيلوا أنكم في دولة يسكت فيها الجاهل عن الفتوى، والماجن عن نصائح الشرف، والسارق عن القيادة، لأن الشعب قد عرف مصادره في التلقي، وراح يفرز الغث من الثمين، ولأن الجاهل والماجن في دولة العلم والإيمان، ليس له إلا بيته، وليس له من الجمهور إلا من يحبون ما هو فيه ويريدون انتشاره رغم معرفتهم بفساد ما يصنع وما ينشرون، ممن يستحبون العمى على الهدى، والظلمات على النور.

تخيلوا أنكم في دولة من لايُوْزَعُ فيها بالإيمان يوزع بالسلطان العادل والقانون الناجز، الذي يُحَاكَمُ إن جار، ويُرَدُ إن أخطأ، ليس فيها للقاضي سلطة مطلقة ولا حكما باتا، طالما كان هناك اعتراض صحيح على حكمه وقضائه؛ لأن الذي لا يُرد حكمه ولا قضاؤه هو الله، وشرعه الذي بلغه النبي عنه سبحانه إن صحت النبوة وصحت نسبة البلاغ.

وتخيلوا أنكم في دولة، الجيش فيها يسهر فى التدريب وتنمية مهارات الجنود، يبحث عن تطوير السلاح ونظم الحماية، ويجهد قادته للحصول على خبرات المعارك والإدارة وإنتاج السلاح، الجندي فيه عليم بصنعته، ذو عقيدة وفكر، وليس قطعة من الشطرنج تحرك بورقة، وتَقْتُل بورقة، وتُقْتَل بورقة، فتدخل معارك ظالمة، لَا يَدْرِي فِيْهَا الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ.

يخافه العدو حين يسمع به، ويطمئن الشعب حين يرى لباسه وعتاده، أمين على الكون والوطن، لا يطمع المعتدي في رحمته، ولا يقنط المظلوم من نجدته، لا يوالي جنده الظالمون، ولا ينتسب إليه إلا كل صادق أمين، لا يجمعهم حزب، ولا تفرقهم جزرة.

وتخيلوا أنكم في دولة، عون للمظلوم طالما كانت قادرة على نصرته، وآخذة على يد الظالم إن طاقة مواجهته، تنمى قدرتها وتقوى اقتصادها وتجهز جيشها وتثقف شعبها من أجل القدرة على القيام بذلك الواجب، تحيا عليه وتموت، ويرثه الجيل بعد الجيل.

تخيلوا، وأنا معكم من المتخيلين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!