«الجيش الامريكي قد يتخذ العراق قاعدة لشن عمليات داخل الأراضي السورية».

مجرد أمر أطلقه رئيس دولة جديدة في بلاد عريقة. في بلاد كانت مهدًا للحضارات والديانات، بلاد جلجامش ونبوخذ نصر والنمرود وإبراهيم ونوح وشيث وغيرهم من عظماء التاريخ من أنبياء وملوك وعلماء وأدباء، بلاد كانت مسقط رأس لأحد حكام العالم الأربعة، بلاد العزة والكرامة بلاد الرافدين، العراق. بلاد أتلفته أفكار أيديولوجية ودينية عقائدية فاسدة فأفسدت بدورها سياسته فأسقطت هيبته وحولته من بلاد أعرق حضارة في التاريخ وأقدمها وأقواها إلى غابة يحكم فيها المفترس ذو الأنياب حتى لو لم يكن أصله منها فجُعلت خيبتهم هذه طريقًا لأيٍ كان يدخل ويخرج منها متى أراد وكيفما أراد بعد أن كانت أعتى الجيوش تهاب الاقتراب من حدودها.

ماذا حدث؟

ماذا حدث لك يا عراق ماذا حدث لك يا بلاد الرافدين، ماذا حدث يا بلاد الآلهة وبلاد الحدائق المعلقة، كيف تكون مهدًا لتحطيم أشقائك من الدول والبلدان، كيف تكون حاملا خنجر نحر سوريا وأنت في السابق كنت خليلها في عبادة عشتار وعناة ومردوخ وكنت حبيبها في الإيمان بإدريس وإبراهيم ونوح وعزير ودانيال، كيف تفعل هذا بمن خُلقت معك بعد طوفان نوح؟ كيف ياعراق؟ أكانت فعلتك هذه نتيجة لتلك الانشطارات العقائدية بين سنتك وشيعتك؟ أم كانت هي نتيجة حسد العدوان لك فتقاتلت عليك ولأجلك إيران وروسيا وأمريكا والسعودية فقسموك وجزأوك فأنت من هنا شيعي تريد بتر السنة ومن هنا سني تريد بتر الشيعة. إلى أن بُترت سيادتك وكرامتك كمن جعل نفسه تحت يد طبيب ثمل فبدل أن يستأصل مركز المرض المقيح الدامي استأصل عضوك الحساس السليم، فها أنت ذا وحيد، فلا بلاد تساندك ولا بلاد تقربك، لقد جعل منك أعداؤك بلادًا إرهابية عدوانية قاتلة فهابوك وخافوك، وأنت يا عراقي سند لهم، وأنت يا عراق بلد يحتاج النهوض والاستيقاظ من سبات الفتنة والحروب الباردة والحامية، فلتعد مثلما كنت، فلترجع بلدًا يكمل مسار سومر وبابل.

أكانوا على علم؟ أكانوا على دراية؟

 كانوا على علم أن ما حدث قد حدث، كانوا على دراية أن لا مبرر لما فعله ترامب سوى دحض فكرة أن العراق سيخرج من كنف أمريكا، ولن يفعل، ليس خوفًا، وليس مهابة منها. لم يكن الشعب العراقي أبدا شعبًا خائفًا فهو من أسقط حكومات وهو من أعاد بناء البلاد بعد سقوطها إبان فترة التتار ومعاوية وقبلها هجومات الأعداء وقبلها وقبلها وقبلها الطوفان، فمن يخلق حضارة من العدم فلن يتوانى في بناء ركام مدينة، لكن؟ هل يقبل الفاسدون عملاء أمريكا بهذا أن يحدث، طبعا لا، لن يرضى أبدًا أحد أن يفرط في بلد قوي مثمر غني كالعراق، فجغرافيته استراتيجية لمن يود المعاداة، وثرواته كثيرة لمن أصابه نقص في الأموال وشعبه قوي لمن أراد حربا أو بناء، وهذا هو العراق مجرد وسيلة، مجرد طريق يسلكه من أراد ان يثبت قوته أو عقيدته أو غناه.

عندما علموا، ماذا فعلوا؟

 لم ولن يفعلوا، ولن يقدروا، لن يواجهوا الشعب بما اقترفوه ولن يواجهوا المتطفل بما فعله، لم يكونوا أبدا وسط صراع بل كانوا هم مصدر الصراع وأساسه، أو لأقل هم مهندسو هذا الصراع.

«سني فعل، سني قتل، فلتهجموا ياشيعة لتنتقموا لشهيدكم»، «ضربكم شيعيون بلا سبب، هاجمكم فقتل أحدكم فلتنتقموا يا سنة».

وهكذا مرّ انتهاك ترامب لسيادتكم مرور الكرام؟ لا أحد سيتذكره أو سيتحدث عنه، وإن فعل؟

داعش تريد إحياء مملكتها تريد الهجوم مجددًا، احذروا اختبئوا في بيوتكم وقروا.

فهاجمت أمريكا سوريا، كيف حدث ومتى حدث نحن سمعنا فقط عنها في الأخبار أطفال يموتون ونساء تقتل، أين داعش؟ أين السني، ماذا حدث للشيعي، ما ذنب المرأة والولد.

هو أمر مجرد، بعده هندسة، بعده استغباء، وليأخذ كل واحد نصيبه من الغنائم وارموا الفتات على حكام العرب فلهم دور مهم فقد هندسوا واستغبوا وجهزوا المراكز ومهدوا الطرقات ونحن ألقينا الأمر، مجرد أمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد