تفاءلنا خيرًا لما وجدنا أن يوسف معاطي قد رحل وحلّ عن الزعيم وتم استبداله بدم جديد، سيناريو شبابي مشترك بين ثلاثة كتاب «عوالم خفية». في السنين الماضية كان من المسّلمات أن يقدم عادل إمام مسلسلًا من تأليف يوسف معاطي بداية من «فرقة ناجي عطا الله» وصولا لـ«عفاريت عدلي علام» رمضان الماضي. الجديد أيضا أن المسلسل يعرض على قنوات «سي بي سي» بدلاً من قنوات «إم بي سي» التي تعاقدت مع الزعيم لعرض أعماله السابقة.

الانطباعات المبدئية عن المسلسل توحي بأنه نوع جديد يقدمه الزعيم في مسيرته، حيث يقوم بدور صحفي يدعى هلال كامل في جريدة معارضة بعد أحداث 30 يونيو في حين لا يتم الإشارة لذلك إلا من خلال مشهد صغير لإعلامي مشهور على إحدى القنوات التابعة للإخوان يحرض على الداخلية كما عرضها المشهد.

مع أولى مشاهد المسلسل لا ينفك الزعيم يمارس نفس الطريقة الأبوية على الشباب «غير الواعي» أو «الجاهل» بعكس خبرة الأب، حيث يتعرض المشهد لحفيده الذي يستعمل كتاب «شخصية مصر» لجمال حمدان ليستعمله كعازل للصوت تحت سماعات الـ«دي جي» فيرد عليه الزعيم متحسرًا على هذا الضياع: «هي شخصية مصر بقت بتتفرش تحت السماعات.. أنا كدا اتطمنت على مصر»!

«كلنا فاسدون، لا أستثني أحدًا. حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة» هكذا تكلم محامي التعويضات في «ضد الحكومة»، ولكن هل يوافقه هلال كامل الصحفي المناضل؟

في أولى حلقات المسلسل تقع في يد هلال مذكرات شخصية لممثلة تدعى مريم رياض يقال إنها انتحرت وفي المذكرات يتكشف له عالم كبير جدًا من الفساد ويقرر أن يسير في هذا الاتجاه الذي يوصله في النهاية إلى الكشف عن قضية فساد كبيرة «إنسولين فاسد» ويتم فيها الإطاحة بوزير من الحكومة في سابقة من نوعها.

ولكن بحلول الحلقة السادسة تبدأ مسيرة الأحداث تتغير لتدخل قضية أخرى مسرح الأحداث وهي قضية المثلية الجنسية ورفع علم ألوان الطيف في إحدى الحفلات الغنائية في إشارة للحفل الذي أقامته فرقة «مشروع ليلى» آخر العام الماضي. ومع انفراد الجريدة المعارضة بنشر خبر رفع العلم في الحفل نرى مجموعة من الآراء «الممتعضة» من هذا الخبر ونرى رد فعل رجل الشارع قائلًا: «العيال دي أهاليهم سايبنهم إزاي كده». لتبدأ حملات مكثفة من أمن الدولة لشن حرب على المثليين من اعتقال لرافعي علم ألوان الطيف. ومن خلال التحقيقات مع مخرج الحفل يدافع ضابط أمن الدولة عن سمعة البلد «ماسر» ويسأل المخرج المسؤول كيف يسمح بأن تعرض لقطة «مقرفة» كهذه لتسيئ إلى البلد!

تبدأ مع ذلك تحقيقات الصحفي «المعارض» لكشف أبعاد هذه القضية من خلال المذكرات الحاوية لتفاصيل كثيرة سجلتها مريم كشاهدة على تلك الأحداث والتي من خلالها تتكشف قضية جديدة عن فيلم كان من المقرر إنتاجه في مصر يدور حول الحريات الجنسية والذي تم وقف تصويره من الرقابة وهنا إشارة لدور الرقابة حامية القيم «النبيلة» في المجتمع المصري المحافظ «المتدين» بطبعه. ونجد وسط المهاترات أن هناك نوعين للفن، فن محترم وفن قليل الأدب ينشر الرذيلة، والغريب والمثير أن قامة كالزعيم هو من يقول ذلك.

ثم يتضح أن الموضوع برمته كما يعرضه المسلسل عبارة عن مؤامرة من مجموعة شركات إنتاج أجنبية كانت في السابق تريد إنتاج مجموعة أفلام للترويج ولنشر هذه الأفكار وأنهم هم الذين وراء رفع العلم في الحفل. أما عن دوافع هذه الشركات لاختيار مصر بالتحديد لنشر هذه الأفكار «الشاذة» فلا بديل سوى المؤامرة على قيم المجتمع وتدينه!

في الحلقات اللاحقة نعرف أيضًا أن الجريدة المعارضة التي من المفترض أننا نتنفس من خلالها، نجدها ممولة تمويلًا مشكوكًا فيه لدعم مرشح رئاسي من المفترض أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية فهو غير وطني بالتأكيد!

وتتكشف الأمور فجأة كعادة أحداث هذا المسلسل المتسم بالإثارة والسرعة نوعًا ما. اكتشف الصحفي الذي تحول بدوره ليكون صحفيًا استقصائيًا أو شارلوك هولمز أن الجريدة المعارضة التي يعمل فيها ممولة وصاحب التمويل هو المرشح الرئاسي غير الوطني وأنه أيضًا شاذ جنسيًا وله علاقة بقضية المثلية والترويج لها «بماسرنا» الحبيبة. وعندما كان من الصعب إيجاد دليل إدانة فيقدم هلال كامل المعارض الشرس –أو الأمنجي– رؤيته التي هي أشبه بالمزاح لضابط أمن الدولة «رؤوف / فتحي عبدالوهاب» بأن البلد في حالة طوارئ وأن أمن الدولة من حقه القبض عليه بدون دليل! وهذا أقرب للحقيقة منه بالمزاح لأن القضية في نظر الدولة بالطبع تمس أمن ومستقبل البلد ولا يمكن أن يُستأمن على هذا الشعب مثل هذا المرشح الـ«مش تمام» على حد تعبير الصحفي!

نحن أمام نموذج مختلف ولكنه واقعي جدًا، هلال كامل في نظر الشعب هو ابن الشعب هو مؤرق الفاسدين في مضاجعهم. هو من يخرج ما في جيبه كله ليعطيه للمتسولين في الشوارع. ولكنه، في يد الدولة تحركه كما تشاء لأسباب متعددة تختلف ولكنها تجتمع في منطقة واحدة: الأمن القومي أو سمعة البلد.

بعد صدور أمر القبض على المرشح الرئاسي بتهمة تورطه في تمويلات خارحية نرى رد فعل «رجل الشارع» الحريص جدا المخرج (رامي إمام) على إبرازه في كل مشهد بشكل المواطن البسيط ذي الجلباب والملامح السمراء أو التجاعيد التي خطت في وجهه، نرى رد فعله الغاضب والحانق على المرشح بعدما كان يعلق إحدى صوره في بيته. يثور فيمزقها «الله يخرب بيت أبوك الله يخرب بيت أبوك».

يكفي فقط أن تسرب معلومة عن الحياة الخاصة لأحد المرشحين فيتم تشويه سمعته على أرض الواقع كما حدث سابقًا مع مرشحين كُثر، الغريب أن المسلسل يدافع ويبرر لهذه الطريقة لأنها كما قلنا وقالوا قضية تمس شرف البلد وسمعته الطاهرة.

ليس من الغريب أن تحصل «سي بي سي» على حق عرض المسلسل حصريًا على قنواتها وتطل علينا السيدة «لميس الحديدي» في استضافتها في برنامجها هنا العاصمة لهلال كامل الذي يبدي مدى حبه وتقديره لها ولزوجها «عمرو».

يغلق الستار على هذه القضية لتفتح قضية أخرى، قضية خطف الأطفال من إحدى الدور المفترض أنها ملجأ، وتسريحهم في إشارات المرور للبلطجة أو للسرقة أو «ينزلوا في مظاهرة يعملوا قلق» حيث ينجح هلال كامل في كشف هذا الفساد والذي على إثره تتم الإطاحة بوزير آخر من نفس الحكومة.

يشارك أيضًا الزعيم نجم آخر يعد نجم رمضان هذا العام هو النجم «فتحي عبدالوهاب» الذي يؤدي دور ضابط الأمن الوطني حيث يظهر بشكل محبب لدى الجمهور «الضابط صاحب خفة الدم» والمُعذب بسبب ضغط العمل الرهيب لدرجة نراه يترك حفل خطوبته «عشان الأوامر» وكالعادة المشهد المعتاد والفرض في دراما رمضان الأعوام السابقة وهذا العام، مشهد القتال ضد الإرهاب وإبراز دور رجال الأمن في إخضاع وكسر شوكة الإرهابيين وردم بؤر الإرهاب في «ماسرنا» المحروسة.

يمكننا أن نقول إن الزعيم تم إحياؤه من جديد ليلعب دور مبرر السلطة الحاسم لقضايا كثيرة انتشرت مؤخرًا على الساحة من بعد أحداث يونيو كالوطنية ومواجهة الإرهاب والتطرف والحريات بشكل عام كالمثلية الجنسية والتي تم التعامل معها بطريقة أبوية «متقززة» وسطحية جدًا من كل أبطال العمل. سيكون من المتوقع بل والحتمي لدى المشاهد المصري «المتدين جدًا» أن يتقبلها من عادل إمام «الأب». ناهيك عن حصر مشاكل الشباب في ثنائية الجنس والمخدرات فتشعر أنك تشاهد إحدى مسلسلات الدراما العائلية كما التسعينات!

أما قضايا أخرى كقضايا التعذيب والاعتقالات فيتجاهلها المسلسل ويسير مع تيار السلطة المعبر عنه ضابط الأمن الوطني «روؤوف / فتحي عبدالوهاب» الذي يضحك ملء فيه عند مشاهدته أحد مشاهد التعذيب في فيلم ما متسائلاً بسخرية: «بذمتك إحنا بنعمل في الناس كده.. ده ناقص يقولوا إن إحنا بنجيب أُسود عشان اللي ميعترفش باللي عايزينه الأسود تاكله». ثم يقوم ليصلي حتى لا تفوته الصلاة. فنحن أمام جهاز أمني بريئ تمامًا مما ينسب إليه من اختفاءات قسرية وتعذيب في سلخانات أمن الدولة وقتل خارج نطاق القانون وانتهاك لكل معاني الإنسانية بل ويحاول المؤلف أنسنة الموقف حيث يتوجه للصلاة قبل أن تفوته (المصري المتدين بطبعه).

وبدلاً من أن يتعرض المسلسل لموقف السلطة من حرية الصحافة وإبراز دورها في حجب الحقيقة والتعتيم عليها بحظرها عشرات المواقع الإخبارية والمقالية بل  على العكس تحولت الصحفية المعارضة لصحفية ممولة من جهات مشكوك فيها. وعن الاعتقالات والاختفاءات القسرية فهذا محض افتراء على الدولة.

أما عن سؤال الفساد؛ فالفساد متجذر ويجب اقتلاعه حتى وإن كان الفاسد وزيرًا للصحة أو للتعليم لكن؛ هناك حدود ألا تقترب من رأس الأفعى. نحن أمام أسطورة فساد الحاشية من جديد ودور الفن قولبة هذه الأسطورة بصورة دراماتيكية لتصل للمواطن الأسمر على الإفطار باعثةً في نفسه الأمان والطمأنينة لا الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد