يصحو كثيرٌ من نومه وهو في حالة من عدمِ الرّضا عن ذلك الاستيقاظ، ولو كانَ هو الذي حدّدَ موعدَه ووضعَ مؤشّر المنبّه على ساعةٍ معيّنة، فتجدُهُ يتقطّعُ غضبًا من جرسٍ يُقرَع أو تنبيهٍ يتضرّع له أن يصحو ويُسكتَه، وتختلفُ طقوس الناس حولَ هذه النقطة الحاسمة بين النوم والرجوع للحياة من جديد بينما أخفّ الأشخاص تعبيرًا عن ذلك الانزعاج هو من يمكُثُ وقتًا لا يقلّ عن عشر دقائق أو ربع ساعة يتمنّى لو لم يستيقظ، لكنّه يفوّض الأمر لربّه وما يلبَث أن يعودَ لطبيعته..

قبل أن ننام نعدُ أنفسنا بكثيرٍ من النشاط والإقبال للحياة، ونفكّر في الغد ونخطّطُ لأن يكون يومُنا التالي حافلًا بالإنجازات، ومنها الاستيقاظ المبكّر وعدم تضييع المواعيد والنهوض من الفراش في سعادة وسرور، وقبل أن ننام نتأكّدُ بأن المنبّهات الصناعيّة أو البيولوجيّة مضبوطة على التوقيت المحلّي، ونحرِصُ على أن تكونَ في تنبيهها قبل مواعيد الاجتماعات أو الدوام أو الصلاة بوقتٍ كافٍ حتى لا يسرقنا الوقت في تجهيز أحوالنا قبل الخروج من المنزل، ولكن عندما يحينُ وقت الاستيقاظ تثورُ ثائرةٌ داخل النفوس تتمنّى أن يرجع الوقت للوراء وأن يكون اليوم جمعة أو يُصابُ جرسُ الساعة بالخرَس..

يستثقلُ الرّجال الاستيقاظ في كثيرٍ من أحوالهم على عكس النساء اللاتي يستيقظن في الأغلب بشيء من الراحة والإقبال على الحياة ولو كُنّ لم يأخذْنَ كفايتهنّ من النوم، ونسمع دومًا العديد من القصص عن نساءٍ كُثر يعانينَ الأمرّين في إيقاظ أزواجهنّ لأعمالهم أو إيقاظ المراهقين والشباب من أبنائهنّ، على عكس البنات والمراهقات في العموم. ولستُ أدري سببَ هذه الفوارق الإنسانيّة بينَ الجنسين لكنّي أعرفُ في نفسي امتعاضًا شديدًا من الاستيقاظ يمكثُ جاثمًا على جبيني لمدّة دقائق حتى يريدُ الله تعالى ويغسلُه برحمته حينَ فرَضَ علينا الوضوء..

وفي التوجيهات الدينيّة الكثير من الأذكار والأدعية التي ورَدَت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها تُقالُ قبلَ النوم تُساعدُ على نومٍ هادئ واستيقاظ عاديّ منضبط، وأذكارٌ أخرى يقولها المسلم عندَ استيقاظه في مجملها حمدُ الله تعالى أن أعادَ الروح للجسد بعدَ أن ذهبَ بها، وأن أحيا الإنسانَ بعدَ أن أماته وهو خالقه ورازقه وميسّر أمره. ويقول العلماء عن هذه الأدعية وتلك الأذكار بأنها جالبة للراحة النفسيّة لمن تعوّدَ عليها فالنّفس لا يمكنُ ترويضها بغير التدريب..

عندما كُنّا صغارًا وكانت أمّي توقظنا للدراسة وكنّا نصحو وعلاماتُ الغضب والتذمّر باديةٌ على وجوهنا، رغم أننا قضينا أكثر من ثماني ساعات في النّوم، كانت تقولُ لنا “ألا تخافونَ من الله وأنتم تتذمّرون من الاستيقاظ وهو حياة بعد موت فبدَلَ أن تحمدوا الله وتشكروه أن منحكم فرصة لمزيدٍ من العمر تغضبون”. وكانت تلك الكلمات تذهبُ مذهبَ الحصّة اليوميّة من أمي حفظها الله، ولكنّنا وبعدَ أن كَبرنا أدركنا أنها كانت تقول الحقّ والعدل، وذهَبَ من أنفسنا الكثير من ذلك الشعور الطاغي وبقيَ منه القليل الذي أُرجِعُ سببَهُ إلى تقصيرٍ منا في الواجبات والطاعات..

وفي النّومِ وسُلطانه ـ كما يقولون ـ مزيدٌ من القدرة على إفراغ الإنسان من كلّ امتلاكه لنفسه وأعصابه وأخلاقه، حيثُ يخلُدُ في النوم لطبيعة داخليّة وعقل أكثرِ من باطنٍ لا يمكنُه التحكّم فيه إلا من رحمَه ربّه، وأعرفُ عن بعض الزملاء والأصدقاء طقوسًا تخصّه عندما يستيقظ حيثُ لا يرغبُ أن يكلّمه أحد أو يسأله أحد، حتى تمضي ساعةٌ من الوقت ويعود من كهفه الذي قضى ليلَه فيه، وفئة أخرى من الأصدقاء تصطحبُ هذه الأجواء لمكاتبها ومقرات عملها؛ فهي لا تشعُر أنها راغبة في التواصل مع الناس إلا بعدَ مرور ثلاث ساعات كاملة من بداية الدوام الصباحي في وجه عارٍ تمامًا من كلّ علامات الاستيقاظ..

آخرون لهم وجه عبوسٌ قمطريرٌ يُهدونَه للناس في الصباح الباكر، لا يتحدّثون ولا يردّون السلام ولا يبادرون إلى خير، تُزعجهم الأضواء ويُقلقهم الصوت وتبدو عليهم علامات الامتعاض من الحياة ومن أنفسهم ومن السائرين في الشارع ومن الحياة كلّها، ومجموعةٌ من الناس تأبى أن تخرجَ من المنزل حتّى تنظرَ في المرآة أكثرِ من مرّة وتتأكّدَ بأن جميعَ العروق والعضلات والطّبقات الجلدية عادَت لأمكنتها وبدا عليها الكثير من الحيويّة والنضارة لتتمكّنَ من مقابلة الناس، وعندَ المرأة طرقٌ وأساليب نتيجة ما تنفرد به من خصوصيّة “الميك أب” تستطيعُ إخفاءَ ذلك كلّه به..

بعضُنا يصطبحُ بعدَ الفروض الدينيّة بجريدةٍ كما كنا نراه في مسلسلاتنا العربيّة، وبعضُنا يفضّل القهوة الساخنة، وبعضنا يجمع بينهما حتى يستطيعَ الحراك من كرسيّه ذلك للعمل، وبعضُنا يقدّس الإفطار الصباحي ويشعر بأنه الطريق الأسلم للخروج من باب الشقّة وهو في كامل استعداده لمصارعة الحياة ومشاكلها، وبعضنا يكره رائحة الأكل أو “قربعة” الأواني عندَ استيقاظه من النوم، فهو من الفئة التي لا تُدخل شيئًا إلى جوفها قبل الساعة العاشرة صباحًا، وبعضنا يُفضّلُ اصطحابَ كوبِ الشاي وقطعة الخبز معه للسيارة فهو يستلذّ بأن تكونَ هذه هي طريقتَه في إتمام استيقاظه ونشاطه..

العودة لهذه الدنيا بعدَ النوم مليئة بالمتناقضات لدى كلّ إنسان ولدى كلّ المجتمعات، وتختلف باختلاف الجنس والفئات العمريّة، وتتغيّر بتغيّر الفصول الأربعة، وتأخذ تأثيرها ومضامينها من سلوكيّات الشخص في حياته اليومية وقناعاته وأيديولوجيّاته ورغبته في الحياة وتفاؤله وتشاؤمه، وربما يكون التاريخ النفسي والعصبي للإنسان له دور في تلك الطقوس خاصّة من يحملُ في ذكرياته الكثير من خوف الطفولة أو إرهاب الأهل والمعلمين والمجتمع. وبالنسبة لي، لا زلتُ إلى الآن وأنا أستيقظُ بمفاجأة “وفَجْعة” وخوفٍ يستغرِبُ منها من لا يعرفني ولم أهتدِ لعواملها حتى اليوم..

استيقاظُ من كانَ يرى حلمًا مزعجًا ليس كاستيقاظ من كانَ نومه “سادَة” بدون أية أحلام، واستيقاظُ هؤلاء ليس كاستيقاظ من نامَ قبل ساعةٍ فقط على عكسِ استيقاظ من قضى نصفَ عمره في النوم، واستيقاظٌ من نومِ القيلولة ليس كاستيقاظٍ من نومِ الليل، واستيقاظ الأطفال يختلف عن استيقاظ الكهول، وكلّما تقدّم العمر قلّت ساعات النوم وسهُلَ الخلاصُ من سلطانه؛ فنحنُ نرى كثيرًا من المسنّين لا ينامونَ إلا نزرًا يسيرًا وإذا قاموا فكأنهم نسمةُ عبير أو قطرة ندى، وللأمهات مع الرّضّع قصص وحكايات في إجبارهم على فتحِ أعينهم فسلطانُ نومهم أعمقُ وأقوى وأشدّ رغمَ أنهم عندما يستيقظون لا تُفارقُ الابتسامة محيّاهم الملائكي الذي نفتقدُه في بقيّة أعمارنا..

والله تعالى قد رفَعَ القلم عن النائمِ حتى يستيقظ لما يعلمُه تبارك وتعالى من سيطرة هذا الشيء على قلوب وعقول البشر، فمنحهَم فرصة للخروج من التكاليف حتى يستيقظوا. والاستيقاظ لا يتمّ إلا بعودة الإنسان لسابق عهده وتمييزه للأشياء؛ فكثيرٌ من المرضى يمشونَ ويتكلّمون وقد يضربون ويبطشون وهم نائمون في حالةٍ مرضيّة يعرفها أهل الطبّ النفسيّ، ولكنّ العُذر الذي يبديه البعض عندَما تسوءُ أخلاقهم مع الجمهور صباحًا بأنهم قبلَ قليلٍ قاموا من نومهم ليسَ مقبولًا أبدًا، وباستطاعة الإنسان أن يبقى في بيته حاجزًا عن الناس وجهًا كريهًا وتعاملًا سيئًا حتى يعودَ لمحيط الإنسانيّة المقبول..

واعتقادُ الناس بأنّ ما يواجهونَه عندَ مقابلة أوّل إنسانٍ بعدَ استيقاظهم بأنّه شؤمٌ أو طالعُ شرّ فذلك من أعظم الجهل الذي يزيدُ النفوس غوصًا في متاهاتٍ قد تجعلهم يكرهون الحياة كلّها، فلا يرتاحونَ في نومٍ ولا يسعدون باستيقاظ، فكلّ صباحٍ خير سواءٌ بدأته بمكافأة أو بدأه مديرُك بالحسم من راتبك..

من يستيقظْ على أصوات العصافير يَبْدُ غارقًا في عالم الرومانسيّة التي لن تدومَ طويلًا، ومن يستيقظْ على موسيقى هادئة تَبْدُ عليه بوادر التعلّق الشديد بالغناء والترنيم الذي قد يفقده الكثير من الشعور بأصوات أجمل غير تقاسيم العود وترنيمات الكمان ومقامات القانون، ومن يستيقظ على صوتِ زوجته تناديه أن قُم للصلاة أو للعمل فليسأل نفسَه عنها من أيقظها هي حتى توقظه هو لهذه المهام، ومن يستيقظ على صوتِ منبّه جواله فلا يلُمْ غير أصابع يديه التي وضعت الجوال على هذه الساعة بالذات، ومن يستيقظ على صوت الأذان فتلك نعمةٌ يُغبط عليها، ومن يستيقظ من تلقاء نفسه وبرمجة قلبه وتوقيت اهتمامه وتنبيه حرصه وساعته التي في داخل تكوينه فذلك الذي أودّ لو كنتُ هوَ ..

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان, النوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد